بين الوهم السياسي وحقائق بناء الدولة
ليس أكثر إثارة للدهشة من أن ترى نخبة تضم أساتذة جامعات، ودكاترة، وأطرًا سامية، تصل بعد سنوات من العمل السياسي إلى اكتشاف حقائق كان يفترض أن تكون من المسلمات في علم السياسة، لا من المفاجآت.
إن الأزمة ليست في انسحابهم من حزب، فذلك حق سياسي مشروع، وإنما في الأسباب التي قادتهم إلى الانخراط فيه ابتداءً. فالديمقراطية ليست مجرد ترخيص لحزب، ولا انتخابات داخلية، ولا بيانات سياسية، وإنما هي ثمرة مسار تاريخي طويل، لا يكتمل إلا بقيام دولة القانون، واستقلال المؤسسات، وسيادة الدستور على الجميع.
ومن الخطأ الاعتقاد أن المجتمعات التي لا تزال تعبر، بتعثر، من الشرعية التقليدية إلى الشرعية الدستورية، تستطيع أن تنتج بين عشية وضحاها أحزابًا حديثة، وممارسة سياسية حديثة، بينما ما تزال البنى الاجتماعية والولاءات الأولية أقوى من المؤسسات نفسها.
لقد أثبتت تجارب كثيرة في إفريقيا أن استيراد النموذج الديمقراطي في شكله الإجرائي، دون استكمال شروطه الثقافية والمؤسسية، لا يؤدي بالضرورة إلى بناء دولة حديثة، بل قد يفضي إلى إعادة إنتاج الانقسامات الاجتماعية داخل الأطر الحزبية نفسها، فتتحول الأحزاب إلى امتداد للهويات الضيقة بدل أن تكون فضاءً للمواطنة الجامعة.
ولعل ما يدعو إلى الاستغراب أكثر هو أن الشخصية التي وقع عليها اختيار هذه النخبة لقيادة الحزب لم تكن مجهولة السيرة أو غامضة التوجهات. فالقيادات تُختار على أساس تاريخها السياسي وفكرها وممارساتها، ومن الصعب بعد ذلك الادعاء بأن ما حدث كان مفاجأة كاملة. فالسياسة، في جوهرها، قراءة للماضي قبل أن تكون رهانًا على المستقبل.
إن بناء الدولة الوطنية لا يقوم على استثمار التباينات الاجتماعية أو الهوياتية، بل على تجاوزها في إطار مشروع وطني جامع، يجعل المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، ويجعل القانون هو المرجعية الوحيدة في إدارة الشأن العام. وكل مشروع سياسي يعجز عن تحقيق ذلك، أو يسمح بأن تطغى الانتماءات الفرعية على الهوية الوطنية، يكون قد ابتعد عن جوهر الدولة الحديثة.
ولذلك فإن هذا البيان، مهما كانت وجاهة بعض ما ورد فيه من ملاحظات، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه إدانة لحزب بعينه، بقدر ما ينبغي أن يُقرأ بوصفه دليلًا جديدًا على أن أزمة الحياة السياسية في موريتانيا أعمق من الأحزاب والأشخاص. إنها أزمة انتقال لم يكتمل بعد من مجتمع تحكمه التوازنات التقليدية إلى دولة يحكمها الدستور والمؤسسات والقانون.
وتلك هي القضية الحقيقية التي ينبغي أن تنصرف إليها جهود النخب؛ لأن الأوطان لا تُبنى بتبديل المواقع داخل الأحزاب، وإنما تُبنى حين يصبح القانون أقوى من الأشخاص، وتصبح المواطنة أوسع من كل الانتماءات الضيقة.




