اليسار يشعر بالخطر فيدعو للم الشمل بعد طول فُرقةٍ يقول إنه عاشها لعقود ويقول غيره إنه ما تفرق يوما وأن كل الذي تراءى للناس من أمره إنما هو تَحرُّف لقتال ، تكتيك مدروس ومنسق لخدمة ستراتيجية واضحة أن يُحكم قبضته على مشهد سياسي تتجاذبه نزعات حداثية تستقطب جموعا شبابية كثيرة يحتاج أن يكون له فيها عين ولسان ونزوع ماضوي قوي يكاد يتحكم في ديناميكية أي تحرك مجتمعي في أي اتجاه كان و لا يقبل أن لا يكون له في هذا الحراك قول وفعل......
لا أحدا غير الكادحين يملك القول الفصل إن كانوا حقا تفرقوا أو كانوا يلعبون ، فلا حصون تقيهم من الفرقة كسائر الجماعات وهم قوم يجيدون اللعب ولهم فيه مهارات كبيرة وتجارب ناجحة عديدة.....
لكنهم حين يعلنون صراحة أن الوقت قد حان لجمع الشمل يحسمون كل جدل حول شكل عملهم في الحاضر وربما في المستقبل ؛ فإن كانوا تفرقوا بالأمس فلربما توصلوا أن لا أحدا منهم يغنيه مساره المنفرد عن الآخر وأن عليهم أن يرمموا الصدع ويرصوا الصفوف أما إن كانوا ما تفرقوا أصلا فلربما يكون فشل اتحاد قوى التقدم في المحافظة على تموضع مقبول في المعارضة دفع البعض نحو البعض فتنادى الجميع كل يلوذ بصاحبه وظهر للجميع أنهم كانوا دوما جميعا وماكانوا يوما شتى...
اليسار الموريتاني "تفرق" بين "الميثاقيين" و"الحركة الوطنية الديمقراطية" بُعيد التأميم وسك العملة الوطنية فتوغل الميثاقيون في السلطة وتوغل الديمقراطيون في معارضتها وظل فيما يبدو خيط الوصال قائما بين الطرفين ؛ كان "الحركيون" أكثر حيوية في هذه الفترة واستفادوا كثيرا من تحالفات مع طيف سياسي واجتماعي واسع كان له رأي معارض للحرب في الصحراء ....
ستغير ديمقراطية "لابول" المعادلات السياسية بكاملها وستصبح القبيلة والعشيرة والجهة والشريحة عناوين سياسية بديلة وصناديق "لابول" ممرا موثوقا للمشاركة في السلطة تعفف عنه القوميون العرب وتوغل فيه يمين اليسار (الميثاقيون) فالتفوا حول كل حكم تأتي به تلك الصناديق ولم ينقطع الوصل مع يسار اليسار ( اتحاد قوى التقدم ) فكانت السلطة بيد يمينهم وكان يسارهم من أهم لوالب المعارضة.....
فهل يعيد التاريخ نفسه ويكون التوجه "الجديد" للكادحين مجرد لعبة سياسية تستجيب لمتغيرات الساحة الوطنية هذه الأيام خاصة ما تشهده حركة "ايرا" من تراجع كبير وما يُذكر من مراجعات قامت بها حركة قوات التحرير الأفريقية "فلام" ؟
حركة "ايرا" تعيش أياما صعبة وقد لا يستمر وجودها طويلا فقد بدأت قوة دفعها تتراجع بشكل كبير وقوة الدفع حين تتراجع يعني ذلك أن جاذبية السقوط أصبحت هي الأقوى، تتوالى الاستقالات منها ولم تعد قادرة على الحشد ويخفت صوتها كلما ازداد التصدع في صفوفها...
"قوات التحرير الافريقية" (فلام) هي الأخرى خسرت الجولة الأهم في منازلتها مع السلطة والدولة الوطنية ، كانت الأحداث المأساوية عام 89 مباغتة فاجأت الجميع ولم تبخل الحركة جهدا في توظيفها لإنتاج مشروع دولة جديد أو الانتهاء من مشروع الدولة القائم لكن الدولة استطاعت بفضل الله أن تحافظ على كيانها ووحدة أرضها وشعبها....
ومنذ تلك الفترة تعيش الحركة بالتنفس الصناعي من خلال منابر توفرها فرنسا في المنصات الحقوقية الأوروبية والدولية يوم كانت فرنسا في مأمن من خسارة الأجنحة.....
خسرت فرنسا أفريقيا وخسرت موقعها في العالم وقادم الأيام لا ينبئ لها بخير فلا يتوقع أكثر المتفائلين أن تكون أية دولة أوروبية غربية ضمن الاقتصاديات العشر الأولى في العالم عام 2050 !!!!
حركة "فلام" من دون فرنسا مجرد موقع وعنوان أما حركة "ايرا" فقد فشلت في توطين خطاب محلي مقنع جامع يستقطب الفقراء وضعفاء المجتمع من ضحايا الإرث الاستعبادي المقيت وغيرهم ثم خسرت فرصة المحافظة على ما كانت توفره لها "فلام" وفرنسا من منابر حقوقية وسياسية على المستوى الأوروبي...
قد يكون الذي دفع الكادحين للمطالبة بوحدة الصف أو الصفوف أنهم يسعون لرسملة تصدع "فلام" و"ايرا" فَينْفر إليهم كل الذين تعبوا من عمل سياسي منسد الأفق وكل الذين خابت آمالهم في الحركتين .....
وقد يكون لهذا المسعى علاقة بالحوار المتعطل فقد شاخت الجماعة ولم تتجدد وفشلت في اختطاف حوار أسندت إليها مهمة التحضير له فوجدت في وعكة "ايرا" ولبوس "فلام" الجديد فرصة أن تعود لخطاب يتجاوز حزبية المتحزبين منها ويكون نافذة لمشاركة الوافدين المحتملين من الحركتين نحو الحوار أو ربما المشاركة فيما هو أشمل ...
في المقابل يسير قطار القوميين في الاتجاه المعاكس؛ شباب يهجر و شيوخ يتشرذمون كل يوم ، كل جماعة ولدت حزبا ثم الحزب ولد أحزابا تتنافر فيما بينها كأن لم يكن يوما بينهم ود ولا وصال، يتجزأ المجزأ وينقسم المقسم ، وتزداد الجماعتان تنائيا فيما بينهما لأتفه الأسباب آخرها التموقع الخشن من حرب تدور بعيدا بين دول لا يهمها غير مصالحها.....
أجيال العروبيين الأولين ترجل منهم الكثير ولم يعقب وكثيرهم ضاعت بوصلة تفكيره حين تحول العمل السياسي لميكانيكا وهندسة بنائية خاوية والذين ما يزالون يمسكون بشيء أو يحنون إليه ، شاخوا ، تفرق الناس من حولهم ولم يعودوا يصدقون ما الذي حل بالأرض وأهلها.....
كان للقوميين العرب دور كبير في استدراك وترسيخ الهوية الوطنية يوم اضطر ضيوف "ألاك" لتأجيل البت فيها وظل الناصريون والبعثيون ركنا ركينا من أركان الفعل السياسي النشط والفعال إلى أن جاءت ديمقراطية "لابول" بأحزابها وحرية الصحافة و التعبير وحرية التنظيم المقيد بمقاسات نموذج يراد له أن يحاصر كل مشروع لا يأمنه المستعمر فتفرقوا وأصبحوا سرابا بقيعة......
لم يعد القوميون العرب يملكون سوى ذكريات من الزمن الجميل ، غالبية البعثيين والناصريين الذين ما يزالون متمسكين بمبادئهم قد تجاوزوا العقد السادس من العمر وقلما يحضر شاب لندوة يقيمها هؤلاء ولم يعد في الجامعة ذاك الوهج الشبابي الطافح فلم تحرك غزة عصبا لأحد ولم تعد فلسطين قضية تشغل بال شاب ولا شابة بعدما كان الشباب وقود نضالاتهم يكتبون على الجدران ويوزعون المناشير ، غسق الليل وغب الكرى ، السجون مواطن لهم ألِفوها يتعذبون فيها ويموتون ، يُفصلون من وظائفهم ويحرمون من أبسط الحقوق لكنهم كانوا يستصغرون كل صنوف المعاناة وأهوالها لأنهم يرون من وراء نقابها مشروعا يتحقق أن تستكمل الدولة سيادتها الثقافية وأن تبني نموذجا عادلا ومنصفا لا ظلم فيه لمواطن ولا غبن ولا إقصاء...
فما الذي سيستفز الخطاب القومي العربي في موريتانيا ليعود إليه شبابه وعنفوانه ؟ وما الذي ينتظره الناصريون والبعثيون ليراجعوا الأسباب المحلية لفشلهم الكبير ليعيدوا تنظيم الصفوف ويعيدوا مشروعهم المجتمعي للواجهة ؟
وما الذي سيكون عليه البلد حين يتوحد الكادحون بطبعتهم الجديدة ويتوارى القوميون كأن لم يكن له وجود فيه من قبل ؟ وما الذي يمنع القوميين العرب أن يتوحدوا ويخلقوا ثقلا موازيا وموازنا للكادحين في حلتهم المنتظرة !!!! سؤال كبير يستوجب تفكيرا عميقا للوصول لعنوان يستفز المشاعر فيعيد الشباب للاهتمام بالوطن ومؤسساته وثوابته.
الدكتور محمد ولدالراظي




