محاولة لتصويب المواقف من العدوان الأمريكي على إيران
يعج هذا الفضاء بغث التدوين وسمينه فالحرب الدائرة في الخليج لم تترك أحدا على الصامت وما يحدث اليوم تحول كبير ونقطة مفصلية في تاريخ المنطقة وتاريخ العرب والمسلمين.
مناصرة إيران في هذه الحرب رأي يقول به من يخاف على الدولة الإيرانية وتداعيات هزيمتها على العرب والمسلمين، وموقف يقول به أيضا من يناصر نظام الحكم لأسباب تخصه.
بعض القوميين العرب يناصرها في هذه المواجهة وبعضهم لا يشعر أن الحرب تعنيه -ولهؤلاء ما يقولون تبريرا- ويبدو أن الإسلام السياسي بطبعتيه القطرية والإماراتية قد آثر الصمت وتحيز جانبا واليسار تتعاوره المواقف المتناقضة والمتقلبه على وقع التجاذبات المحلية....
بناء الرأي حق لكل شخص لكن تبرير هذا الرأي ، حين يصدر عن أهل الثقافة ومن يُرجع إليهم في المشورة ، يجب أن يكون مقيدا بكوابح كثيرة منها الدفع بالمعلومة الصحيحة والقراءة المنهجية للحدث التاريخي والحرص قدر المستطاع على توخي الموضوعية في التحليل والاستنتاج...وفي كل الأحوال لا ينبغي أن نجعل من مواقفنا حيال إيران عنوانا جديدا للفرقة والتشرذم فنحن نواجه تحديات محلية كبيرة لن ينفعنا في تجاوزها من ينتصر في هذه الحرب ولا من يخسرها رغم أن نتائجها تعنينا في مجملها في المديين المتوسط والبعيد...
ليس مقبولا ممن يناصر إيران حبا في نظام حكمها وتبنيا لشعاراته أو نكاية بآخرين أن يلبس نظامها السياسي طهرا لا يدعيه ولا أن ينفي عنه ممارسات هو نفسها يتفاخر بها ولا أن يحسب له من فضائل الفعل ما لا يدعيه ولم يدعه يوما ومن حق هؤلاء أيضا أن يتعاطفوا مع هذا النظام من دون التعريض بالحكم الوطني في العراق وثورته ومواقفه الثابتة من القضايا القومية....
هذه المواقف استوجبت التذكير بحقائق قد تغيب عن البعض أو ينساها فالنظام الحاكم في إيران جاء نتيجة ثورة شعبية على حكم شاهنشاهي كان دركي الخليج لا يعصي أمرا لأمريكا ولا لاسرائيل......
تبنت هذه الثورة شعار : استقلال - حرية - جمهورية إسلامية ؛ الاستقلال يقصدون به أن تتحرر إيران من التبعية لأمريكا والحرية يقصدون بها اقتلاع الملكية ثم ثالث الثالوث بناء مشروع حكم إسلامي على أساس ولاية الفقيه.
من البديهي أن هذه الثورة حين اقتلعت الشاه ستنقلب على سياساته كلها، حال كل منقلِب مع كل منقلَب عليه، وخاصة موقفه من القضية الفلسطينية فلا تتصادم مع حاضنتها الشعبية من جهة وتكسب ود جوارها العربي والإسلامي الحانق على الصهيونية ؛ طردت سفارة إسرائيل وفتحت أخرى لمنظمة التحرير وانتهت علاقة الثورة الإيرانية بالقضية الفلسطينية .......العلاقة مع حماس وطوفان الأقصى موضوع فيه قول كثير ليس الوقت مناسبا للتعرض لكل تفاصيله...
حل الخميني محل الشاه ، تبدل شكل الدولة فنالت القضية الفلسطينية من هذا الشكل نصيبا وتغير الجوهر فتحولت إيران من دركي الخليج في عهد الشاه إلى مُصدر للثورة الشيعية في المنطقة فتمددت في كل البلدان التي توجد بها أقليات شيعية وأنفقت المال الوفير في حزب الله والحوثيين وسوريا وبدأت بنشر الحسينيات في عموم العالم الإسلامي.....كان الشاه يهيمن على المنطقة بقوة أمريكا وحلف الناتو فجاءت الثورة لتهيمن على المنطقة من الداخل من خلال أذرعها الطائفية في الدول العربية وهذا من حقها كدولة كبيرة تسعى لفرض وجودها في المنطقة والعالم....
دخلت في حرب مع دولة عربية كبيرة ومع نظام حكم لا يمكن لأحد أيا كان أن يزايد عليه في دعم الثورة الفلسطينية ودعم القضايا العربية كلها، فرحلة هذا النظام مع القضية الفلسطينية بداية البدايات وظلت تلازم قائده حتى آخر رمق وهو يواجه حبل المشنقة ولهذا الرجل ونظام حكمه وللعراق علينا هنا دَيْن كبير لا يُنسى فقد كان لنا السند والمعين والحامي المتين من حرب وشيكة من جارنا الجنوبي وداعميه الفرنسيين بعيد أحداث 89 المؤلمة بعد أن خذلنا الجميع من دون استثناء.....فمن غير اللائق المفاضلة بين حكمه والحكم في إيران لا بالنسبة للعرب ولا بالنسبة لنا في موريتانيا !!!!
لكن إيران لا تُختزل في حاكمها فقد زال الشاه وهو وريث لعرش دام آلاف السنين ثم انتهى ، إيران دولة مسلمة وشعب عريق له دور كبير في الموروث الحضاري العربي الإسلامي وجار للعرب ويتوسط العالم الإسلامي وأي أذى يلحق بهذا الشعب وهذه الأرض سينتقل حتما للجوار ولا جوار لهذا البلد من غير المسلمين ومن حقه على المسلمين أن يناصروه خاصة إن كان يواجه أشد الناس عداوة للذين آمنوا....
إن هذا الحرب حرب دينية بالنسبة للصهائنة وحرب وجود بالنسبة لأمريكا ولا يهم الدولتين غير تحقيق أهدافهما ولا يهمهما صديق من العرب ولا عدو فالقواعد الأمريكية في دول الخليج لم تدفع شرا عنها بل كان كل الجهد منصبا لاعتراض الصواريخ المتجهة نحو الكيان الصهيوني وقد أدركت السعودية ذلك ونشطت دبلوماسيتها نحو موسكو لحمل الإيرانيين على وقف هجماتهم على الخليج فتوقفوا....
إسرائيل تسعى لتجسيد وعد يقولون إنه من الله لنبيه ابراهيم عليه السلام ويذكرونه في سفر "التكوين" : "لِنَسْلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات .." كان وعد بلفور اللبنة الأولى للملكة اليهودية الموعودة ثم قرار التقسيم الذي أنشأ الكيان من دون دستور فليس لإسرائيل اليوم دستور واحد مكتوب بل قوانين أساسية ، ولا وجود لذكر حدود للدولة باستثناء عارضتين زرقاوين على العلم ترمزان للنيل والفرات.......الحلم الذي يراد لهذه الحرب أن تجعله حقيقة وحين تسقط إيران ستتساقط القلاع كلها من دون حرب...
خسرت أمريكا حرب الرسوم مع الصين وخسر الدولار صفته كعملة حصرية للتبادل في أسواق الطاقة بعد أن توجه ابن سلمان للصين أكبر اقتصاد في العالم اليوم والأقرب جغرافيا لمنابع الطاقة في الخليج فأصبحت العملة الصينية تزاحم الدولار في أهم سوق للنفط في العالم.....
توجهت أمريكا بحربها نحو إيران على أمل أن تقتلع هذه الدولة الكبيرة من أنياب الصين فتقطع طريق الحرير الجديد العابر لها وتقطع عنها سلاسل توريد طاقة ذات جودة عالية وتبعث من جهة أخرى رسالة لابن سلمان أن عليه أن يدير ظهره للصين ويعود ببلاده لبيت الطاعة الأمريكي .....
ليس حبا في نظام الحكم الإيراني وليس تغافلا عن فلسفته في واجب صدير ثورته الطائفية و المذهبية وليس تناسيا لما فعل ويفعل ولكن لأن لا مصلحة لأحد في سقوط الدولة الإيرانية غير إسرائيل وأمريكا وحيثما توجد هاتان الدولتان لا يوجد خير للعرب ولا للمسلمين.....ثم إن الشعب الإيراني الذي تجمعنا به كلمة التوحيد وقبلة واحدة وكتاب كريم ، قد يكون خصما لكنه لا يكون عدوا مطلقا.........
أما أنظمة الحكم فتأتي وتزول
الدكتور محمدولدالراظي




