لماذا تريد الأنظمة العربية مواطنا مطيعا لا إنسانا حرا ؟.

بواسطة yahya

 

قد تكون اكبر هزيمة للانظمة العربية انها لم تفشل فقط في بناء نظام سياسي حديث، بل نجحت في شيء اكثر قسوة: انتاج انسان يخاف من الحرية اكثر مما يخاف من السلطة.انسان يتعلم منذ طفولته ان السؤال وقاحة، والنقد عداء، والاختلاف خطر، والطاعة فضيلة. يكبر وهو يعرف كيف يرضي المسؤول قبل ان يعرف كيف يطالبه بحقه، وكيف يحمي نفسه من السلطة قبل ان يسأل لماذا تملك السلطة كل هذه القوة.بعد عقود من الدولة الحديثة والتعليم والجامعات والاعلام والدساتير والانتخابات، يبقى السؤال قائما: لماذا لم تنتج هذه المنظومات انسانا سياسيا مستقلا؟.لماذا ما زال المواطن يبحث عن الزعيم بدلا من المؤسسة؟.لماذا يخاف السياسي من المواطن الحر؟

ولماذا تخاف السلطة من انسان يعرف حقوقه اكثر مما تخاف من انسان يعارضها؟.المشكلة ليست ان بعض الحكام بقوا في السلطة طويلا فقط. المشكلة ان انظمة سياسية كاملة لم تستطع انتاج فكرة جديدة عن الحكم، ولا علاقة جديدة بين الدولة والمواطن، ولا خطاب سياسي قادر على مخاطبة انسان تغير عالمه بينما بقيت السلطة اسيرة مفردات قديمة.حين تعجز السلطة عن انتاج المستقبل، تبدأ في تخويف الناس منه.تستدعي الماضي لتبرير الحاضر، وتستدعي الامن لتقييد الحرية، وتستدعي المؤامرة لاسكات النقد، وتستدعي الوطن كلما اقترب السؤال من مصالحها. وبذلك يصبح المواطن مطالبا دائما بحماية النظام، بينما يفترض ان يكون النظام هو الذي يحمي المواطن.هذه هي النقطة التي يجب ان تبدأ منها الفلسفة السياسية العربية اليوم: ليس من سؤال "من يحكم؟"، بل من سؤال اكثر قسوة: ماذا تفعل السلطة بالانسان الذي تحكمه؟

هل تنتج مواطنا ام تابعا؟.هل تعلمه التفكير ام الطاعة؟.هل تمنحه القدرة على مساءلة الدولة ام تدربه على الخوف منها؟.واذا كان النظام السياسي لا يستطيع تحمل انسان يسأل ويعترض ويناقش، فهل مشكلته مع المعارضة فعلا، ام مع فكرة الانسان الحر نفسها الانسداد السياسي لا يعني فقط بقاء الحاكم في السلطة. قد يكون الحاكم جزءا من المشكلة، لكن الازمة تصبح اكبر عندما يتحول النظام نفسه الى بنية مغلقة لا تستطيع انتاج بديل من داخله، ولا تسمح للمجتمع بانتاج بديل من خارجه.النظام السياسي السليم لا يقاس فقط بقدرته على البقاء، بل بقدرته على التجدد.عندما يصبح بقاء شخص او حزب مرتبطا ببقاء الدولة نفسها، تكون الدولة قد دخلت مرحلة خطرة. الرئيس يصبح رمزا للوطن، والحزب يصبح عنوانا للاستقرار، والجيش يصبح اداة لحماية النظام قبل حماية الدستور، والاعلام يتحول الى وسيلة لتبرير سياسات السلطة بدلا من مراقبتها.ثم تختفي الحدود بين الدولة والحكومة.الحاكم ليس الدولة، والحكومة ليست الوطن، والحزب ليس المجتمع. لكن السلطة المنغلقة تحتاج الى خلط هذه المفاهيم حتى يصبح الدفاع عنها دفاعا عن الدولة نفسها.عندما ينتقد المواطن الحكومة، يقال له انه يهاجم الوطن.وعندما يطالب بتغيير سياسي، يقال له انه يريد الفوضى.وعندما يطالب بحرية الصحافة، يقال له ان البلاد تحتاج الى الاستقرار.وعندما يسأل عن الفساد، يقال له ان هناك اعداء يتربصون بالدولة.بهذه الطريقة يتحول الوطن من مساحة مشتركة بين المواطنين الى لغة سياسية تستخدم لحماية السلطة من المساءلة.هذه ليست قوة سياسية، بل ضعف مؤسساتي. الحاكم الذي لا يستطيع تحمل النقد يحتاج الى مؤسسات تحميه من المواطنين، بينما الحاكم الذي يعمل داخل نظام مؤسساتي يحتاج الى القانون.

المشكلة لا تقف عند الحاكم. النخب السياسية تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية. كثير من السياسيين يتحدثون عن الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان عندما يكونون في المعارضة، ثم يتغير خطابهم عندما يحصلون على منصب حكومي.المعارضة تسمي الرقابة قمعا.الحكومة تسمي الرقابة استقرارا.المعارضة تطالب بحرية الصحافة.الحكومة تطالب بالمسؤولية الوطنية. المعارضة تدافع عن الاحتجاج.الحكومة تتحدث عن حفظ الامن. وفي الحالتين قد تتحول المبادئ الى ادوات تستخدم عندما تخدم المصلحة السياسية.الفلسفة السياسية تضع السياسي امام اختبار بسيط: هل تقبل بالمبدأ نفسه عندما يصبح ضدك؟.اذا كنت تطالب بحرية التعبير عندما تكون معارضا، فهل ستقبل بها عندما تصبح مسؤولا؟.اذا كنت تطالب بتداول السلطة، فهل ستغادر موقعك عندما يحين دور غيرك؟.اذا كنت ترفض المحسوبية، فهل ستمنع اقاربك ومؤيديك من الحصول على امتيازات لا يستحقونها؟الديمقراطية لا تختبر عندما يتحدث شخص نوافقه، بل عندما يتحدث شخص نختلف معه.والعدالة لا تظهر عندما يحصل حليفنا على حقه، بل عندما يحصل خصمنا ايضا على الحق نفسه.لهذا لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية بمجتمع يريد الحرية لنفسه فقط.ثم تأتي مشكلة التعليم.قد يكون التعليم احد اكثر المجالات التي تكشف فشل المشروع السياسي العربي في بناء الانسان.الطالب يتعلم حفظ الاجابة اكثر من طرح السؤال. يتعلم احترام السلطة قبل ان يتعلم مساءلتها. يحفظ تاريخ الدولة، لكنه لا يتعلم دائما كيف يناقش ذلك التاريخ او ينقد الرواية الرسمية عنه.قد يصل الى الجامعة بشهادة، لكنه لا يمتلك ادوات التفكير المستقل.

الجامعة التي تخاف من الاختلاف الفكري لا تنتج نخبة سياسية جديدة. والمدرسة التي تخاف من السؤال لا تنتج مواطنا قادرا على مساءلة السلطة.اذا اردت معرفة مستقبل الديمقراطية في بلد ما، انظر الى المدرسة والجامعة قبل ان تنظر الى صندوق الاقتراع.الطفل الذي يتعلم ان المعلم لا يخطئ، والمدير لا يناقش، والكتاب لا يسأل، والسلطة لا تنتقد، قد يكبر ليصبح مواطنا يبحث عن الحماية لا عن الحرية.ثم يأتي الاعلام ليكمل الصورة.في النظام السياسي المغلق يتحول الاعلام من سلطة رقابة الى سلطة تبرير. لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل يصبح السؤال: كيف نشرح ما حدث بطريقة لا تزعج السلطة؟.الخبر يتحول الى بيان، والمحلل الى مبرر، والناقد الى شخص مشبوه، والمواطن الى متلق ينتظر الرواية الرسمية.لكن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت جزءا من هذه المعادلة. لم تعد الدولة تملك وحدها القدرة على تحديد الرواية التي يسمعها الناس. الهاتف المحمول جعل المواطن ناشرا ومصورا وشاهدا ومعلقا.لكن التكنولوجيا وحدها لا تصنع وعيا سياسيا.يمكن للانترنت ان يوسع مساحة الحرية، ويمكنه ايضا ان ينتج غضبا بلا مشروع، ومعلومات مضللة، واستقطابا حادا.لذلك يحتاج المجتمع الى انسان يستطيع التمييز بين المعلومة والدعاية، وبين النقد والشائعة، وبين المعارضة السياسية والتحريض.وهذا يعيدنا الى الثقافة المثقف ايضا يتحمل مسؤوليته.

هناك مثقف يبرر السلطة لانه قريب منها، ومثقف يهاجم السلطة لانه يريد الوصول اليها، ومثقف يغير موقفه مع تغير موقعه السياسي.في الحالات الثلاث يغيب المثقف الذي يجعل الحقيقة هدفه الاول.المثقف ليس موظفا لدى السلطة، ولا ينبغي ان يكون محاميا دائما للمعارضة. دوره ان يراقب الجميع، وان يزعج الجميع عندما تستحق المواقف النقد.لكن الانظمة المغلقة لا تحب هذا النوع من المثقفين، وبعض المعارضات لا تحبه ايضا، لان المثقف المستقل لا يقدم ولاء دائما لاحد.الانسداد السياسي ينتج ايضا معارضة تشبه السلطة التي تنتقدها.تتحدث عن الديمقراطية لكنها قد تمارس الاقصاء داخل تنظيماتها.تطالب بتداول السلطة، بينما تتمسك بعض قياداتها بالمواقع لسنوات طويلة.تنتقد المحسوبية، ثم تعيد انتاجها عندما تحصل على النفوذ.تنتقد الاعلام الرسمي، ثم تحاول فرض روايتها على وسائل الاعلام التابعة لها لهذا فان تغيير الاشخاص لا يكفي.اذا لم تتغير الثقافة السياسية، فسوف يعيد النظام الجديد انتاج النظام القديم بوجوه مختلفة.والاقتصاد جزء من المشكلة عندما تسيطر السلطة على الموارد والوظائف والامتيازات، تتحول السياسة الى طريق للحصول على الثروة. يصبح المنصب الحكومي مكافأة للولاء، وتصبح الوظيفة وسيلة لبناء شبكة سياسية، ويتحول المال العام الى اداة لصناعة النفوذ.عندها لا يصبح الفساد مجرد سرقة للمال العام، بل يصبح جزءا من طريقة عمل النظام.المواطن يحتاج الى واسطة للحصول على حقه.ورجل الاعمال يحتاج الى علاقة مع المسؤول. والسياسي يحتاج الى شبكة مصالح.والموظف يعرف ان الكفاءة وحدها لا تكفي.بهذه الطريقة يموت مفهوم المؤسسة، ويصبح السؤال: من تعرف؟ بدلا من: ماذا يقول القانون؟.المواطن الذي يحتاج الى شخص داخل السلطة حتى يحصل على حقه، سيتعلم ان القانون غير كاف.والمجتمع الذي يرى ان السلطة هي الطريق الوحيد للثراء والنفوذ، سيصبح الصراع على السلطة فيه اكثر شراسة.لهذا لا يمكن اصلاح السياسة دون اصلاح العلاقة بين السلطة والاقتصاد.ولا يمكن بناء دولة حديثة من دون مؤسسات مستقلة تستطيع مراقبة المال العام، ومنع تضارب المصالح، ومحاسبة المسؤول مهما كان موقعه.الديمقراطية ايضا ليست صندوق اقتراع فقط. يمكن ان تجري انتخابات دون ان تنتج ديمقراطية.يمكن ان توجد احزاب كثيرة دون منافسة حقيقية.يمكن ان يوجد دستور متقدم دون دولة قانون.ويمكن ان تتحدث السلطة عن تداول الحكم بينما لا توجد بيئة تسمح بظهور بديل حقيقي.

الديمقراطية تعني ان من يفوز بالانتخابات لا يحصل على حق امتلاك الدولة.تعني ان المعارضة ليست خيانة، والصحافة ليست عداء للوطن، والنقد ليس مؤامرة، وتغيير الحكومة ليس تهديدا للدولة.الدولة التي تخاف من تغيير الحكومة لا تملك استقرارا حقيقيا.هي تملك خوفا من المجهول.والاستقرار الحقيقي لا يعني ان يبقى الحاكم، بل ان تبقى المؤسسات قادرة على العمل مهما تغير الحاكم.لهذا فان مستقبل السياسة العربية لا ينبغي ان يقاس فقط بعدد الانتخابات التي تجرى، بل بقدرة المجتمعات على انتاج انسان يستطيع التفكير خارج سلطة الزعيم والحزب والطائفة والقبيلة.هذا الانسان لا يولد من الخطابات السياسية.يصنعه تعليم يسمح بالسؤال، واعلام يسمح بالنقد، وجامعة تسمح بالاختلاف، وقانون يطبق على الحاكم والمحكوم، واقتصاد لا يجعل المواطن رهينة للوظيفة الحكومية، وثقافة لا تعتبر المعارضة خيانة. الانسان السياسي الحر لا يحتاج الى ان يكره الدولة حتى ينتقدها. ولا يحتاج الى ان يحب المعارضة حتى يعارض الحكومة.ولا يحتاج الى ان يكون ضد الوطن حتى يكون ضد سياسات الحاكم. هذه هي المواطنة التي فشلت بعض الانظمة في بنائها.لقد نجحت في تعليم المواطن كيف يعيش داخل النظام، لكنها لم تنجح في تعليمه كيف يسأل النظام عن سبب وجوده وحدود سلطته.ولهذا فان الازمة العربية ليست ازمة تداول السلطة وحدها.انها ازمة خطاب وازمة مؤسسات وازمة تعليم وازمة ثقافة وازمة نخبة. وازمة انسان.حين تعجز السلطة عن انتاج خطاب جديد، تعود الى الشعارات القديمة.وحين تعجز عن انتاج سياسة جديدة، تعيد تدوير الوجوه نفسها.وحين تعجز عن اقناع المواطن، تستخدم الخوف.وحين تعجز عن صناعة المستقبل، تستخدم الماضي. وحين تعجز عن بناء مواطن مستقل، تفضل المواطن التابع. لهذا فان السؤال الحقيقي ليس: متى يتغير الحاكم؟.السؤال هو: متى يتغير النظام الذي يجعل تغيير الحاكم غير كاف؟

متى يصبح تداول السلطة قاعدة؟ متى يصبح القانون اقوى من المسؤول؟.متى يصبح المواطن اهم من الحزب؟.متى تتحول المدرسة من مكان لحفظ الاجابات الى مكان لصناعة الاسئلة؟ متى تصبح الجامعة مساحة للصراع الفكري لا مجرد مصنع للشهادات؟.متى يستطيع المثقف ان يقول الحقيقة دون ان يبحث عن حماية سياسية؟.ومتى تتوقف المجتمعات عن البحث عن الزعيم المنقذ وتبدأ في بناء المؤسسة التي لا تحتاج الى منقذ؟الانسداد السياسي يصل الى نهايته عندما يفقد النظام قدرته على تخيل نفسه من دون الحاكم، ويفقد المجتمع قدرته على تخيل السياسة من دون الزعيم.عندها يصبح تغيير الرئيس مجرد تغيير للوجه.وقد يتغير الحزب وتبقى الثقافة.وقد تسقط الحكومة وتبقى طريقة الحكم.وقد تتغير الشعارات ويبقى الخوف نفسه. المشكلة في النهاية ليست ان السلطة لم تنتج انسانا حرا فقط. المشكلة انها قد تكون ساهمت في جعل الانسان يخاف من الحرية نفسها.وهذه هي الكارثة السياسية الحقيقية: حين تصبح السلطة عاجزة عن بناء انسان يستطيع العيش بحرية، ويصبح المجتمع نفسه عاجزا عن تخيل دولة لا يحتاج فيها الى الخوف من الحاكم.

#زكريا_نمر