التاريخ والإنصاف في بناء الدولة

بواسطة yahya

 

ليست للدول ذاكرة واحدة، ولا تتشكل المجتمعات من رواية تاريخية منفردة. وموريتانيا، بما تختزنه من تاريخ سياسي واجتماعي متنوع، ليست استثناءً من هذه القاعدة.

قبل قيام الدولة الحديثة، عرفت البلاد أنماطًا متعددة من التنظيم السياسي والاجتماعي، كان من أبرزها نظام الإمارات، إلى جانب أدوار مؤثرة للعلماء والتجار والمجموعات القبلية والمهنية المختلفة. وقد تركت تلك المراحل بصماتها العميقة في تشكيل المجتمع، وفي توزيع النفوذ والمكانة بين مكوناته.

لكن الدولة الحديثة قامت على منطق مختلف: المواطنة بدل الانتماء، والمؤسسات بدل الولاءات التقليدية، والقانون بدل موازين القوة التاريخية.

ومن هنا، فإن استحضار التاريخ ينبغي ألا يكون بهدف استعادة امتيازات الماضي، ولا لإدانة جماعة لحساب أخرى، وإنما لفهم الحاضر بصورة أكثر توازنًا.

فلا يجوز أن تتحول الذاكرة التاريخية إلى أداة للإقصاء، كما لا ينبغي أن يصبح بناء الدولة الحديثة ذريعة لمحو أدوار مكونات اجتماعية شاركت، بدرجات مختلفة، في تشكيل تاريخ البلاد.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بتوزيع المسؤوليات العامة.

فالمبدأ الذي ينبغي أن يحكم الوظيفة العمومية واضح: الكفاءة والاستحقاق والمساواة أمام القانون. وإذا كانت هناك اعتبارات أخرى تدخل، بصورة معلنة أو غير معلنة، في صناعة التوازنات السياسية والاجتماعية، فإن المطلوب ليس إنكار وجودها، وإنما ضمان ألا تتحول إلى معايير انتقائية.

ذلك أن الإشكال لا يكمن فقط في وجود تمثيل اجتماعي متوازن، وإنما في طريقة بناء هذا التوازن ومعايير تطبيقه.

فإذا كان المعيار هو الكفاءة، فينبغي أن تكون المنافسة مفتوحة أمام الجميع، وأن تطبق القاعدة نفسها على الجميع. وإذا كان تحقيق التوازن الاجتماعي جزءًا من الممارسة السياسية، فينبغي أن يكون هذا التوازن عادلًا وشاملًا، وألا يتحول إلى امتياز ثابت لبعض المكونات أو إلى حرمان مستمر لمكونات أخرى.

ومن الطبيعي، في هذا السياق، أن يطرح أي مكوّن اجتماعي سؤالًا عن حجم حضوره في مؤسسات الدولة مقارنة بوزنه الديمغرافي والتاريخي، بما في ذلك بنو حسان وحلفاؤهم، كما يحق لغيرهم أن يطرحوا الأسئلة نفسها.

لكن الإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي ألا تكون بمنطق «هذه حصة لنا وتلك حصة لغيرنا»، لأن الدولة ليست شركة بين مكونات اجتماعية، ولا ينبغي أن تتحول الوظائف العامة إلى غنائم موزعة بحسب موازين القوة.

المطلوب هو شيء أكثر نضجًا: أن تكون الدولة عادلة في تمثيلها، واضحة في معاييرها، ومفتوحة أمام الكفاءات من جميع مكوناتها.

وهذا لا يتحقق بالإنكار ولا بالمحاصصة الصلبة، وإنما بالشفافية، وتكافؤ الفرص، ووضوح معايير التعيين، وإتاحة المجال أمام الكفاءات دون أن يتحول الانتماء الاجتماعي إلى عامل خفي في التفضيل أو الإقصاء.

كما أن الإنصاف التاريخي لا يعني منح حقوق سياسية مستمدة من الماضي، وإنما يعني الاعتراف بأن تاريخ البلاد أكثر تعقيدًا وتنوعًا من أن يُختزل في رواية واحدة.

ومن حق المغافرة أن يعتزوا بتاريخهم، ومن حق بني حسان أن يعتزوا بتاريخهم، ومن حق كل مكوّن آخر أن يروي تجربته كما يفهمها، شريطة أن يتحول هذا التنوع في الذاكرة إلى معرفة مشتركة، لا إلى صراع على الحاضر.

فالدولة الحديثة لا تحتاج إلى محو التاريخ، وإنما إلى تحرير المستقبل من أثقاله.

وحين تكون المعايير واضحة ومطبقة على الجميع، يقل الشعور بالغبن، وتتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالانتماءات التقليدية، ويصبح الانتماء الوطني أكثر قدرة على استيعاب التنوع الاجتماعي الذي تشكلت منه البلاد.

إن القضية، في جوهرها، ليست أي مكوّن أكثر استحقاقًا للدولة، وإنما كيف نجعل الدولة عادلة تجاه جميع مكوناتها؟

وهذا سؤال لا يُجاب عنه باستدعاء أمجاد الماضي، ولا بإنكارها، وإنما ببناء مؤسسات لا تجعل الإنسان بحاجة إلى نسبه أو قبيلته أو تاريخه كي يثبت حقه في المواطنة.

فالعدل لا يمحو التاريخ، لكنه يمنع التاريخ من أن يتحول إلى امتياز. والمواطنة لا تلغي التنوع، لكنها تجعل القانون فوق الجميع.

حمادي سيدي محمد آباتي