لم يعد الحديث عن العطش الجماعي في مدينة تجكجة إلا تحصيل حاصل منذ حوالي ثلاثة عقود ، و الأسباب عديدة، منها الموضوعي الناتج عن قلة الأمطار في المنطقة و غياب السدود الحابسة لما يجري من مياه السيول على ندرتها؛ فالسيول تضيع سنويا ؛ بينما تبقى المدينة، بعد ساعة من سيول بطحاويها، كصفوان مر به وابل!
أما العامل الذاتي في عطش المدينة الجماعي فيعود لعبث بعض الأسر أو الأفراد الميسورين الذين يحفرون الآبارالارتوازية العميقة نسبيا بطريقة فوضوية لا تراعي أي معيار للمصير المشترك و لا لضرورة الرابط بين الفقراء و الأثرياء : فكل فرد يجد نفسه قادرا ماليا، فإنه يحفر بئرا بجانب جاره الآخر الذي يحفر هو الآخر بئره ؛ و قد لا تكون المسافة بين الآبار إلا بضعة أمتار ؛ إلا ما ما بين مداخل المنازل مثلا، أو ما بين مداخل الحظائر الفاصلة بين حدود الغرس، الذي أضحى في مجمله نخيلا مستجلبا لا علاقة له بظروف المكان، و لا طاقة له على التكيف مع قسوتها كما كان حال أصناف النخيل الأهلي البائد !
ثم إن هذه الآبار ، داخل مدينة تجكجة ، على كثرتها و فوضويتها تتراوح في أعماقها بين مائة و أربعين، و مائة و خمسين ، ... مترا فقط ، بمعنى أن هؤلاء الأفراد، ميسوري الحال، ظلوا في مستوى المياه السطحية التي كانت المدينة، في القدم، تشرب بها عبر العيون الأهلية التي تم الإجهاز على أغلبها باستنزاف فرشة المياه la nappe العذبة ، من جهة، أو خلطها ، من جهة أخرى، بالمياه المالحة التي كانت أسفلها أو تجاورها ... فلو أن أولي الطول من مجتمع المدينة اشتركوا في حفر بئر أو بئرين إلى الأعماق البعيدة، ما بعد الخمسمائة متر مثلا ، لكانوا حلوا مشكل عطش الحيوان و الزراعة، و لوفروا لساكنة المدينة مستوى المياه السطحية العذبة في الآبار الأهلية التقليدية ، أما الحفر السطحي و المباهاة به على نحو فوضوي ، فلا ظهرا أبقى و لا أرضا قطع! و ستجف كل آبار المدينة ، الهامج منها و الدبج، في غضون سنوات ، إن لم تتدارك العناية الإلهية هذه المدينة!
طبعا، مدينة تجكجة تعاني عطشا كبيرا و مزمنا، و لا أفق لحله، لا على مستوى تفكير نخبة المدينة ؛ إذ كل يعمل على شاكلته في ما يبدو ، و لا على مستوى تفكير الدولة ، التي باتت مجرد غنائم يتنافس في نهبها المتناهبون !
اليوم، تشرب مدينة تجكجة من ثلاثة مصادر :
- المصدر الأول: مناوبة التوزيع ،تحت إشراف السلطة المختصة ، لبضع ساعات، بين أحياء المدينة، لما هو متوفر من مياه الآبار العمومية ، قليلة العدد و ضعيفة الضخ ، الوسط بين العذوبة و الملوحة المخصصة ، حال توفرها ، لسقي الماشية و للاستحمام و سقي النخيل ، و للشرب البشري ، أيضا، عند الحاجة ...
- المصدر الثاني: الصهاريج المعبأة بالماء شديد الملوحة، التي يبيعها في أوقات أزمات العطش الحادة في المدينة ، ب"أغلى قيمة" ، سماسرة في مجال المياه ، و هي مخصصة حصرا لسقي الماشية الأهلية ( تمزَه) و بعض الغرس من النخيل المملوك للأسر الفقيرة داخل الحوزات المنزلية ...
- المصدر الثالث: الماء القراح ، الذي أصبح أقل من زغب اللسان، الممتوح مباشرة من بئر ارتوازية عذبة في حي لبحيره ؛ هذه المياه يتبرع بها رجل إحسان و مروءة من أهل المدينة في أوعية بلاستيكية بسعة عشر لترات؛ و توزع كميات الماء هذه في الأوعية بحسب عدد أفراد كل أسرة، في ما علمت، أو بما تسمح به العدالة في التوزيع و فقا للظروف ...
و إذا استمرت أزمة العطش في تجكجة، فما مصير المدينة، بعد أكثر من أربعمائة سنة من التحدي لشتى ظروف المناخ و عاديات الناس...؟!
و الحالة هذه، من المسؤول عما يلحق بتجكجة من أذى و إيذاء : الدولة؟ أم أبناؤها؟
محمد الوري العرب




