من أجل الارتقاء بالنقاش الوطني حول الإشكالية الحراطينية
تتابع منظمة «العافية أمونكه» باهتمام بالغ، وبقلق متزايد أحيانًا، المنحى الذي يتخذه النقاش العمومي المتصاعد حول قضية الإرث الاجتماعي للرق ومخلفاته، والمعروفة اختصارًا بـ«الإشكالية الحراطينية». فهذا الملف، بما يحمله من حساسية بالغة وأبعاد إنسانية وأخلاقية ووطنية عميقة، بات في الآونة الأخيرة ساحة مفتوحة يتقاطع فيها أصحاب النوايا الحسنة مع أصناف أخرى من المتدخلين، لكل منهم حساباته وغاياته.
فمن جهة، هناك أهل الصدق والإخلاص، الذين يحملون همّ وطنهم ويسعون بصدق إلى معالجة جذرية وعادلة لملف طال أمده. ومن جهة أخرى، برز — وبقوة — تجار الكراهية وأعداء الوحدة الوطنية، الذين لا همّ لهم سوى تأجيج الفتنة وتوسيع الشرخ الاجتماعي، لأن الفوضى والانقسام هما رأس مالهم الوحيد. كما برز أيضًا أصحاب الابتزاز والانتهازية، الذين لا يوظفون هذه القضية إلا سُلَّمًا للترقي أو وسيلة لانتزاع مكاسب مادية من السلطات. ولا ننسى كذلك بعض الفاعلين السياسيين الذين يوظفون الملف لأغراض انتخابوية ظرفية، بمعزل عن أي التزام حقيقي بحله.
والملاحظ أن جل هذه الأطراف — باستثناء أهل النية الصادقة — تكتفي بالتنديد والمزايدة، دون أن تتقدم بأي تصور بنّاء أو حل عملي. وحتى حين يحاول بعضهم اقتراح مخرج، فإنه غالبًا ما يلوذ بعبارة «التمييز الإيجابي»، وكأنها العصا السحرية القادرة على حل إشكالية بهذا العمق والتعقيد.
لا تمييز يكون «إيجابيًا»
وهنا، تودّ العافية أمونكه أن تسجل بكل وضوح موقفها المبدئي: لا وجود لتمييز «إيجابي». فالتمييز، في جوهره، ظلمٌ تأباه الأخلاق وتحرّمه الشرائع السماوية، ولا يمكن أن يكتسب صفة الإيجابية مهما حسنت النوايا المعلنة وراءه. إن الاستمرار في تداول هذا المصطلح المتناقض في ذاته لا يخدم القضية، بل يسيء إليها، ويمنح خصومها ذريعة إضافية للطعن في مشروعيتها.
لذا، تدعو منظمتنا كل الفاعلين — من مؤسسات رسمية وباحثين وإعلاميين وفاعلين مدنيين — إلى استبدال هذا المصطلح بأحد التعبيرات الأكثر دقة والتزامًا بالمرجعية الأخلاقية والدينية لبلدنا، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر:
التعبيرات المقترحة بديلًا عن «التمييز الإيجابي»:
• الإجراء الإيجابي
• تكافؤ الفرص
• تدابير الإنصاف
• سياسة الإدماج
• تثمين التنوع
• تدابير تصحيح اللامساواة
• التدابير الخاصة المؤقتة
إسهام متواضع في النقاش
وانطلاقًا من هذه القناعة، وحرصًا من العافية أمونكه على ألا تكون من الذين يكتفون بالنقد دون اقتراح البديل، تعلن المنظمة أنها ستصدر، خلال الأيام القادمة، وثيقة بعنوان «من أجل موريتانيا متصالحة: استئصال مخلفات الرق وتعزيز الوحدة الوطنية»، كمساهمة متواضعة في إثراء النقاش الجاري وإخراجه من دائرة الشعارات إلى فضاء الحلول العملية.
تتوجه هذه الوثيقة، بالدرجة الأولى، إلى السلطات العمومية التي نقدّر — بكل تجرد — حسن نيتها وجهودها المبذولة، رغم اعتقادنا الراسخ أن المقاربات المعتمدة حتى الآن، وعلى الرغم من الأموال الطائلة المخصصة لهذا الملف، لم تُصب دومًا الهدف المنشود. كما تتوجه الوثيقة إلى المثقفين من كل الاتجاهات الفكرية، وإلى كل صاحب نية صادقة وإرادة حقيقية في المساهمة في حل هذا الملف الوطني الحساس.
وتتمحور الوثيقة حول خمسة محاور استراتيجية: التصالح مع الخطاب الديني، تعزيز التماسك الوطني، العدالة والمؤسسات ودولة القانون، العقار والاقتصاد وريادة الأعمال، وأخيرًا التعليم وتكافؤ الفرص، مشفوعة بخارطة طريق تنفيذية على مدى 36 شهرًا.
موقف واضح من تجار الكراهية
أما بالنسبة لتجار الكراهية، فنحن على يقين أنهم سيرفضون هذه المساهمة المتواضعة، لأنها تحمل في طياتها بذور تفكيك مشروعهم القائم على الفوضى والفرقة وهدم اللحمة الوطنية. ولسنا في وارد إرضائهم، بل في وارد خدمة موريتانيا الواحدة الموحدة، التي لا مكان فيها لمن يتاجر بمعاناة أبنائها.
إن العافية أمونكه، إذ تعلن عن هذه المبادرة، تجدد التزامها الثابت بالعمل من أجل مصالحة وطنية شاملة، تقوم على العدل والحقيقة والكرامة الإنسانية، بمنأى عن كل مزايدة أو استغلال، وبمنأى عن منطق التخوين أو الإقصاء.
أحمد خطري
رئيس منظمة العافية امونكه — نواكشوط




