في الذكرى السابعة والثلاثين لتأسيس الاتحاد المغاريي

بواسطة yahya

عبد القادر ولد محمد

Image removed.

تحلّ اليوم ذكرى تأسيس اتحاد المغرب العربي في السابع عشر من فبراير، فيما تتراكم الأسئلة حول مصير حلمٍ وُلد في مراكش سنة 1989 على أكتاف قادةٍ اقتنعوا حينها بأن الجغرافيا قدرٌ، وبأن التاريخ المشترك يمكن أن يتحوّل إلى مشروعٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ جامع. غير أنّ الحلم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، وجد نفسه في مهبّ الخلافات، تتنازعه الحسابات الضيقة، ويُثقل كاهله “كلفة اللامغرب” التي يدفعها المواطن قبل الدولة.
غير أنّ الجمود لا يعني الموت. فالأمم التي تمتلك رصيدًا حضاريًا عميقًا، وموقعًا جيو-استراتيجيًا فريدًا، وكتلةً بشرية شابةً واعدة، لا يجوز لها أن تستسلم لليأس. من هنا جاء بيان نواكشوط – نوفمبر 2025، في أعقاب الندوة التي نظمها المعهد الموريتاني للدراسات الاستراتيجية، ليعيد طرح السؤال المغاربي لا بوصفه حنينًا إلى الماضي، بل باعتباره ضرورةً للمستقبل.
لقد أبرز البيان ركيزتين لا يمكن القفز عليهما: العائد الديمغرافي والثورة الرقمية.
فالمغرب الكبير يمتلك اليوم نافذة ديمغرافية استثنائية؛ غالبية سكانية شابة، متعلمة، متصلة بالعالم، ومهيأة للإبداع والإنتاج. هذه الثروة البشرية ليست أبدية. إما أن تتحول إلى قوة دفعٍ اقتصاديةٍ وتكنولوجية، أو إلى مصدر احتقانٍ وهجرةٍ وإحباط.
أما الثورة الرقمية، فهي المختبر الجديد للسيادة. في عالمٍ تتراجع فيه الحدود أمام البيانات والمنصات والذكاء الاصطناعي، يمكن لدولنا أن تقفز مراحل طويلة إذا ما وحّدت رؤاها، ونسّقت سياساتها في مجالات التعليم الرقمي، والاقتصاد المعرفي، والخدمات العابرة للحدود. إن التكامل المغاربي في الفضاء الرقمي قد يكون المدخل الأكثر واقعية لإعادة بناء الثقة قبل إعادة فتح الحدود.
لكن أي مشروع مغاربي لا يمكن أن ينهض بقرارات رسمية وحدها. لقد أثبتت التجربة أن السياسة حين تنفصل عن المجتمع، تفقد قدرتها على الاستمرار. من هنا تتعين المسؤولية على المجتمع المدني، والمثقفين، والجامعات، ومراكز البحث، ورواد الأعمال الشباب، من أجل صياغة فكرٍ مغاربي جامع، يتجاوز ثنائية “المغرب العربي” و“المغرب الكبير”، ويعيد تعريف الفضاء المغاربي باعتباره مجتمع مصير قبل أن يكون مجرد إطار مؤسساتي.
إن استنهاض الحلم المغاربي اليوم لا يعني إنكار الخلافات، بل إدارتها بعقلٍ استراتيجي، وإخراج الملفات العالقة من منطق الاصطفاف إلى منطق المصالح المشتركة. فالتكامل الاقتصادي، وتحرير المبادلات، وربط البنى التحتية، وتنسيق السياسات الطاقوية والمائية، ليست شعارات رومانسية، بل شروطًا للبقاء في عالم التكتلات الكبرى.
لقد علمنا التاريخ أن الكيانات الإقليمية لا تُبنى في أوقات الرخاء فقط، بل في لحظات الوعي بالخطر المشترك. واليوم، تتعاظم التحديات الأمنية والمناخية والاقتصادية من حولنا، فيما تتشكل خرائط نفوذ جديدة في إفريقيا والمتوسط. فإما أن يكون الفضاء المغاربي فاعلًا موحدًا، أو ساحةً مفتوحةً للفاعلين الآخرين.
إن استحضار روح مراكش 1989 اليوم يجب ان يكون على شكل رسالةً مفتوحةً إلى الأجيال الجديدة من اجل ايقاظ الحلم المغاربي النائم لان الحلم المغاربي شرطٌ من شروط السيادة والتنمية والاستقرار.
فلنحمله اليوم بوعيٍ جديد، حتى لا يقال غدًا إن جيلنا فرّط في فرصةٍ ثمينة كانت بين يديه…

عبد القادر ولد محمد.
نواكشوط – 17 فبراير 2026

الدرب