ھل يؤدي ترسيم. اللغات الوطنية إلى فتح الباب لصراع متجدد لا يمكن تحمل تبعاتھ؟

بواسطة yahya

هل يؤدي ترسيم اللغات الوطنية إلى فتح الباب لصراع متجدد لا يمكن تحمل تبعاته؟
________
أيها السادة، أيها العقلاء والمفكرون،
دعوني أسألكم، هل يمكن أن نطفئ النار التي أشعلها البعض منذ 1966، والتي راح ضحيتها الكثير ولا يزال الوطن رهينة لتداعياتها؟
أيها السادة الكرام، عليكم أن تقرأوا جيدا فقرات ومطالب بيان 1966 لتدركوا أصله الحقيقي ومغزاه.
إن بيان 1966 لم يدافع عن أي من لغات المواطنين، لا البولارية ولا السوننكية ولا الولفية، بل هاجم العربية، الرابط المقدس بين كل هذه المكونات.
وهنا يحق لنا التساؤل؛ هل تحويل اللغات الوطنية إلى لغات رسمية إلى جانب العربية خطوة إصلاحية حقيقية، أم أنها في حقيقتها استجابة متأخرة لمطالب قديمة بدأت منذ 1966 وتواصلت في 1983 و1986، وأعيد اليوم تغليفها بخطاب لغوي وثقافي أكثر ليونة لكنه يحمل نفس الهدف القديم؟
على الشباب الذي لم يعاصر تلك الأزمنة ولم يقرأ عنها أن يعي أن القصة لم تبدأ حول التعايش الثقافي أو مطالب أي مكون من هذا المجتمع، بل إن البداية كانت كراهية صريحة للعربية.
لم يكن الموقف شكليا ولا احتجاجا عابرا، بل جزءا من استراتيجية استعمارية رأت في لغة القرآن الراسخة جذورها في جميع المكونات تهديدا لنفوذها الرمزي بعد الاستقلال، وسعت عبر أدوات محلية لترسيخ السيطرة.
لقد زٌرعت الفكرة في وعي فئة من الشباب ونمت معهم لتصبح قضية وإيديولوجية متجذرة، تغيّرت شعاراتها وأساليبها، لكن العداء ظل ثابتا.
إن خطاب الدفاع عن لغة المستعمر ارتدى ثوبًا جديدا حين أصبح الاعتراف المباشر بالعداء للعربية مكلفا سياسيا وأخلاقيًا.
التغيير كان شكليًا فقط، الجوهر بقي كما هو، وإن غُلف بعباءة اللغات الوطنية الأصيلة في هذا البلد.
وكان دستور 1991 واضحًا وجليًا: "العربية لغة رسمية واللغات الوطنية لغات معترف بها كتعدد ثقافي لهذا البلد"، لكن عدم إدراج لغة المستعمر حرك أولئك.

أيها السادة الكرام، إن تحويل أي لغة وطنية إلى لغة رسمية يعني إعادة صياغة القوانين والإدارة والقضاء والوثائق الرسمية والتعليم والامتحانات بعدة لغات.
إنه مشروع ضخم ومعقد يفتح ثغرات خطيرة أمام جماعات قليلة تنشط منذ 1966 وتحوّل أي تنازل إلى بداية مرحلة جديدة من الصراع.
لا تمثل اللغات الوطنية نفسها أي خطورة ولم يكن هناك أي تناقض ولا حساسية بينها والعربية عبر عديد القرون حتى في شبه المنطقة، بل الخطورة في اللعبة خلف الترسيم.
ما يُعرض اليوم على أنه دعم للغات الوطنية ليس سوى موقف تكتيكي، يهدف في العمق إلى تحقيق غاية استراتيجية أكبر، وهي تثبيت الفرنسية كلغة حياد عملي بين كل هذه اللغات، بينما تُستغل اللغات الوطنية في واجهة الخطاب فقط.
فالقصة لا تتوقف عند حدود اللغة، لكنها صراع مستمر منذ 1966، يتغير شكله دون أن يغير جوهره.
علينا أن نعي أن كل تنازل يُقدّم يُستثمر لفتح ثغرات جديدة وكل خطوة يُسوَّق لها بوصفها تسوية، لكنها في الواقع بداية مرحلة جديدة من المعركة.
أيها السادة، أيها العقلاء والمفكرون،
الدولة ليست مجرد إدارة، بل هوية ومؤسسات واستقرار وأي محاولة لإعادة تعريف لغتها الرسمية أو فتح المجال أمام لغات جديدة رسميًا بدون دراسة دقيقة لتداعياتها مغامرة قد تُضعف وحدتها وتفتح الطريق لصراعات لا تنتهي.

وفي الختام، فإن الدفاع عن اللغة العربية ليس مجرد حماية لغة، بل حماية الدولة نفسها وهويتها واستقرار مؤسساتها.
ما يحتاجه هذا الموضوع الآن هو حوار عقلاني وفكري عميق، بعيد عن المصالح الضيقة والشعارات المتكررة، يتيح قراءة عادلة وعقلانية لمكانة كل لغة، ويبحث طرقا لدعم التنوع الثقافي دون المساس بوحدة الدولة واستقرار مؤسساتها

رمضان كريم 
أحمدو ولد أمبارك