ديمقراطية معلبة… وبرلمان يعيد تدوير الكلام بينما الدولة تتآكل
×××××××××
تابعت جلسات البرلمان في الأيام الفارطة فإذا بالبلد يدخل موسم الميزانية كما يدخل الناس موسما للفرجة لا لحسم الخيارات. يتحول البرلمان إلى منصة صاخبة وتتحول الأرقام إلى ديكور معلق.
فيبحث الموريتانيون بمرارة ساخرة عن لقطة طريفة تخفف وطأة السؤال الحقيقي.... إلى أين تتجه الدولة؟
ويتجادل النواب حول أرقام لا يملكون مفاتيحها بينما الحقيقة تقف وحدها في الزاوية.
أهذه ديمقراطية حقا، أم مجرد عرض سنوي سيق لامتصاص غضب شعب تُراد له الغفلة؟
أتساءل كيف أصبحت ديمقراطية لابول التي فُرضت علينا في 1991 قيدا يشد البلد من قدميه ويمنع خٓطْوٓه.
كيف تحولت من أمل إلى قالب صلب صُبّٓت موريتانيا بداخله حتى تجمدت الحركة وانقطع النفس وتحول الصندوق الانتخابي إلى سجن مؤسسي لا نملك مفاتيح أبوابه.
تنهك الدولة كل عام لأنها مجبرة على إرضاء الناخبين الكبار وتوزيع المناصب كما توزع الغنائم في سوق قبلي.
تتدفق الميزانيات نحو الولاءات لا نحو المؤسسات وتُشاد الطرق حيث يريد الصوت الانتخابي لا حيث يحتاج الوطن، تُفتح المكاتب الإعلامية لشراء الرضا لا لصناعة الرأي.
وهكذا تتحول الديمقراطية إلى صفقة لا إلى عقد اجتماعي.
كان من المفروض أن تقود الديمقراطية إلى تنمية حقيقية لكنها فتحت بوابات للصراع وعمقت الولاءات على حساب الدولة.
ومع كل استحقاق يتبين أن ديمقراطية بلا مؤسسات لا تصنع استقرارا ولا تحفظ تماسك المكونات، بل تدفع الوطن نحو حافة التفكك حين يصبح الأمن أول ضحاياها.
وهنا يظهر أخطر إنجاز قدمته الديمقراطية بشكلها الموريتاني المنقوص.... تضخيم الخطاب الشرائحي وصناعة حشود متوترة ترى الدولة خصمها الأول بعد كل انتخابات.
ويتحول الاستحقاق الانتخابي إلى عملية شحن لا إلى منافسة، فتنقسم الساحة إلى جماعات تتوجس من بعضها ومن الدولة ويجري شحن الانتماء القبلي والشرائحي والإثني إلى حد يصنع اصطفافات حادة تكاد تبتلع فكرة الوطن نفسها.
ومع كل دورة انتخابية يتصاعد هذا الاحتقان حتى يطل السؤال المخيف؛ إذا استمر هذا النوع من الحشد فهل نجد أنفسنا ذات يوم خارج وطن واحد داخل خرائط متنافرة تبحث عن ثأر لا عن مستقبل؟
ثم نتساءل لماذا لم يظهر الأكاديمي ولماذا يغيب التكنوقراط.
الجواب ان البلد وُضع في سجن النفوذ منذ اليوم الأول ولا مكان لمن لا يحمل مفتاح القبيلة او الشريحة ولا منفذ لمن لا يملك سندا قبليا يقاتل عنه في صناديق محسوبة سلفا.
وأخطر ما في الأمر أن العالم تغير من حولنا فالنفوذ الغربي بدأ يتراجع وموازين القوة اهتزت والأمم تعيد تعريف نفسها ونحن ما زلنا نقيس ديمقراطيتنا على دفتر شروط فرنسي كتب قبل ثلاثين عاما وكأنه نص مقدس لا يُمس.
يا قوم، إن أخطر ما يعانيه البلد ليس الفقر ولا الإرهاب ولا تراجع الخدمات.
الخطر الحقيقي هو ديمقراطية مشدودة إلى رئة غيرها ودولة تُدار بمنطق الخوف من القبيلة والشريحة والإثنية لا بمنطق بناء المؤسسات.
إننا بإختصار نعيش داخل قفص كبير اسمه الوطن.
السلطة محتجزة فيه والمجتمع محتجز فيه والبرلمان يحرس أبوابه دون أن يمتلك مفتاحا واحدا.
فهل نجرؤ أخيرا على طرح السؤال الذي تخشاه النخب كلها؟
هل حان الوقت لكسر قيد ديمقراطية لابول قبل أن يكسر البلد نفسه.
أحمدو ولد أمبارك




