تعقيب الرفيقة أمينة النساء في الحزب خديجة يعقوب

بواسطة yahya

تعقيب الأستاذة خديجة يعقوب، على الورقة المقدمة في ندوة الأستاذ ميشيل عفلق تحت عنوان : “التنوير والعدالة الاجتماعية والنقد الذاتي في فكر الأستاذ القائد المؤسس ميشيل عفلق”بسم الله الرحمن الرحيم
تستحق هذه الورقة التقدير لما بذل فيها من جهد في إعادة قراءة جانب مهم من فكر الأستاذ  القائد المؤسس لحزب البعث العربي الاشتراكي، بعيداً عن الأحكام المسبقة التي كثيراً ما أحاطت به من خصومه ، وخصصوا لها أكثر من موقع وقناة ووسيلة إعلام .
وقد أحسن الرفيق في اختيار ثلاثة محاور مترابطة هي: التنوير، والعدالة الاجتماعية، والنقد الذاتي، لأنها تمثل بالفعل ركائز أساسية في المشروع النهضوي الذي حمله الأستاذ طوال مسيرته الفكرية والسياسية، بالإضافة الى كونها ترتبط بشكل وثيق بولع قطنا اليوم وقضاياه الملحة المطروحة.
التنوير عنده لم يكن مجرد اقتباس لمقولات الحداثة الغربية، وإنما كان مشروعاً لإيقاظ العقل العربي واستعادة ثقته بنفسه وقدرته على الإبداع. فالقائد المؤسس  كان يرى أن النهضة لا يمكن أن تقوم على التقليد ولا على الجمود، بل على التفاعل الخلاق بين التراث ومتطلبات العصر. وهذه نقطة جديرة بالتأكيد اليوم في ظل ما تعيشه المجتمعات العربية من صراع بين نزعات الانغلاق من جهة، والتبعية الفكرية من جهة أخرى.
كما نجحت الورقة في إبراز البعد الاجتماعي في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي ، وهو بعد كثيراً ما طغت عليه الجوانب السياسية والقومية. فقد أدرك مبكراً أن الوحدة والحرية لا يمكن أن تترسخا في مجتمع تسوده الفوارق الحادة والحرمان والتهميش، ولذلك ربط بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، ورأى أن كرامة الإنسان هي المعيار الحقيقي لأي مشروع نهضوي. وهذه الفكرة ما تزال تحتفظ براهنيتها في بلداننا وفي وطننا موريتانيا الذي تتفاقم فيه تحديات الفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي.
أما المحور الثالث المتعلق بالنقد الذاتي، فيمثل أكثر الجوانب أهمية في فكر الاستاذ وأشدها حاجة إلى الاستحضار اليوم. فقد كان يؤكد أن أي حركة فكرية أو سياسية تفقد قدرتها على مراجعة نفسها محكوم عليها بالجمود والتراجع. ومن هنا جاءت دعوته المتكررة إلى المراجعة والتصحيح وعدم تحويل الأفكار إلى مسلمات مغلقة. ولعل قيمة هذا المبدأ تتضاعف في واقع عربي ما تزال فيه ثقافة الاعتراف بالأخطاء ومساءلة التجارب محدودة الحضور.
ومع ذلك، فإن من المفيد أن تفتح الورقة باب النقاش حول المسافة بين النظرية والتطبيق في حزب تاريخي عظيم .
فالكثير من المبادئ التي دافع عنها الحزب ، خاصة ما يتعلق بالحريات والمشاركة الشعبية والنقد الذاتي، واجهت تحديات كبيرة عند انتقالها إلى الواقع السياسي. وليس المقصود هنا تحميل المفكر مسؤولية كل ما جرى باسم أفكاره، وإنما الإشارة إلى أن دراسة أي مشروع فكري تكتمل ببحث ما تحقق منه وما تعثر وأسباب ذلك التعثر.
إن أهمية الورقة لا تقتصر على استعادة فكر قائد ومفكر حالم بمستقبل افضل لامته ، بل تمتد إلى طرح سؤال معاصر: هل ما تزال مفاهيم التنوير والعدالة الاجتماعية والنقد الذاتي قادرة على المساهمة في بناء مشروع نهضوي عربي جديد؟ 
والإجابة هي عندي بالإيجاب إذا تم التعامل مع هذه المفاهيم بوصفها قيماً إنسانية مفتوحة على التطور، لا مجرد شعارات مرتبطة بمرحلة سياسية معينة.
الورقة قدمت قراءة متوازنة ومفيدة لفكر احدى قامات الفكر العربي عظيمة تعرضت للظلم والتشويه  من خصوم الامة، وأعادت تسليط الضوء على عناصر حية في مشروعه الفكري ما تزال جديرة بالتأمل والنقاش والاحتفاء . كما أنها تذكرنا بأن النهضة ليست حدثاً عابراً، بل عملية مستمرة تتطلب تحرير العقل، وتحقيق العدالة، وترسيخ ثقافة النقد والمراجعة. وهي الرسالة التي تجعل من استذكار الأستاذ الكبير  اليوم مناسبة للتفكير في مستقبل الأمة أكثر من كونها مجرد وقوف عند صفحات من الماضي.

يتواصل

الدرب