العلاقات التكاملية بين الأمن الإقليمي والأمن القومي العربي

بواسطة yahya

العلاقة التكاملية بين الأمن الإقليمي والأمن القومي العربي
في 18/ 04/ 2026 حسن خليل غريب
تنويه للقارئ: لأن المسألة التي يعالجها المقال من الكبر الذي يفوق البحث فيها حجم كتاب مستقل، أو على الأقل يكون بحجم بحث موسَّع، كان لا بُدَّ من اختصار المسألة بإيجاز مكثَّف، لتسهيل طرح المشكلة على القارئ، من دون الخوض بتفاصيلها. وبالشكل الذي يمكن للمقال أن يكون بشكله الحالي مقدمة لذلك الكتاب، أو البحث الموسِّع.

مقدمة المقال
يشكّل موضوع الأمن القومي العربي أحد أبرز القضايا الاستراتيجية في الفكر السياسي المعاصر. غير أن هذا الأمن لا يمكن النظر إليه بمعزل عن البيئة الإقليمية المحيطة بالوطن العربي، حيث تتجاور معه دول ذات ثقل عسكري وسياسي واقتصادي. إن طبيعة العلاقة بين هذه الدول وبين العالم العربي تحدد إلى حدٍّ كبير مستوى الأمن القومي العربي، وتطرح إشكالية مركزية: هل يمكن للأمن القومي أن يتحقق دون تكامل مع الأمن الإقليمي، أم أن التنافر بينهما يفتح الباب أمام هشاشة الكيانات العربية وتعرضها للهيمنة الدولية؟

أولاً: مفهوم الأمن القومي العربي والأمن الإقليمي المجاور:
يمكن الانطلاق بداية من تعريف مفهوم الأمن في المجالين العربي والإقليمي. 
وبناء عليه يمكن النظر إلى مفهوم الأمن القومي العربي بأنه يتمثَّل بقدرة الدول العربية مجتمعة على حماية مصالحها الحيوية وصون استقلالها ووحدة أراضيها، وهو شرط لازم وضروري، وملؤه من واجبات النظام العربي الرسمي، لأنه بغيابه يشكل فراغاً يمكن لأية دولة من الخارج أن تملأه كما تقتضيه مصالحها، حتى ولو كانت بالضد من المصلحة العربية. وفيه يصح القول: لا يُلام الذئب في عدوانه إذا كان الراعي عدو الغنم.
بينما يتمثَّل الأمن الإقليمي في شبكة العلاقات بين الدول المحيطة بالعالم العربي، والتي تؤثر مباشرة في استقراره. ولذلك يمكن اعتبار العلاقة بينهما تكاملية بطبيعتها؛ إذ لا يمكن بناء أمن قومي عربي مستقر في بيئة إقليمية مضطربة، كما أن الأمن الإقليمي ذاته يتأثر بمدى تماسك المنظومة العربية. وإن التنافر بين الأمنين، العربي والإقليمي، يشكل نقطة ضعف للأمنين معاً، تتسلَّل منها الدول الكبرى التي تتصارع على احتواء منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

ثانياً: مظاهر وأسباب عدوانية دول الجوار الجغرافي للوطن العربي:
تحيط بالوطن العربي قوى إقليمية كبرى من أهمها تركيا وإيران وأثيوبيا، إضافة إلى امتدادات دولية في البحر المتوسط والقرن الإفريقي. وقد مارست الدول الثلاث عدوانيتها ضد المحيط العربي. وأخذت تعمل على ترجمتها تحت أكثر من عنوان، يمكن ترتيب مشاريعها العدوانية على الشكل التالي:
1-تركيا: قبل الربيع العربي أعلنت تركيا أن علاقتها مع سورية وصلت إلى صفر مشاكل. وبعد الربيع العربي في العام 2011، لم تكن مجرد طرف مراقب، بل فاعل مباشر في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية عبر دعم الإسلام السياسي، التدخل العسكري، واستغلال الفراغ العربي. هذه السياسات أظهرت عدوانية واضحة تجاه المحيط العربي، وإن حاولت أن تخفف حدتها لاحقًا لأسباب اقتصادية وسياسية داخلية.
2-إيران: منذ انتصار الثورة الإسلامية في العام 1979، أعلنت مبدأ تصدير الثورة. ودشنته منذ العام 1980، في اعتداءات ضد العراق. وبعد فشلها في حرب السنوات الثاني، كمنت لاستئناف المشروع حتى موعد العدوان الأميركي قبل العام 2003، وبعده. آنذاك أسهمت بالتخطيط والتنفيذ. وراحت تعمِّق وجودها انتظاراً، إلى أن سنحت لها فرصة الاستيلاء على العراق، لملء الفراغ الذي تركه قرار أميركا بالانسحاب من العراق من جهة، كما الفراغ العربي الموجود تاريخياً من جهة أخرى. مستغلَّة ثروات العراق لتوسيع دائرة نفوذها الذي وصل إلى أربعة عواصم عربية، ناهيك عن أطماعها باجتياح دول الخليج العربية.
3-أثيوبيا: منذ العام 2011، تجلَّت عدوانية إثيوبيا ضد مصر والسودان في التعنت السياسي، والمماطلة التفاوضية، والملء الأحادي لسد النهضة، ما جعل المشروع رمزًا لصراع الإرادات بين دولة المنبع ودول المصب. هذه السياسات وضعت الأمن المائي العربي في مواجهة مباشرة مع الطموحات الإثيوبية، وأظهرت أن النزاع ليس تقنيًا فقط بل جيوسياسي بامتياز.

ثالثاً: مفاهيم التكامل والتنافر:
واستناداً إلى المقدمة أعلاه، يمكن توضيح مفهوميْ التكامل والتنافر بينهما، على طريق الوصول إلى وضع قواعد تحدد في المستقبل بديلاً تكاملياً تشكِّل حماية لأمن المنطقة بأكملها. 
فما هي سيناريوهات التكامل والتنافر؟
1-سيناريو التكامل: علاقات حسن الجوار والتعاون الأمني والسياسي تتيح بناء منظومة ردع جماعية، وتمنح الدول العربية والإقليمية قدرة على مواجهة التحديات الدولية، وتفتح المجال أمام تنمية اقتصادية واجتماعية مستقرة.
2-سيناريو التنافر: الصراعات البينية والتوترات الإقليمية تؤدي إلى تفكك المنظومة، وتجعل الكيانات العربية سهلة المنال أمام القوى الكبرى، بما يحوّلها إلى مناطق نفوذ وصراع من جهة، كما يجعل الكيانات الإقليمية إلى أهداف سهلة المنال أمام أي غزو خارجي من جهة أخرى.
ومن أجل البرهان على أهمية تكامل وتنافر مفهوم الأمن القومي العربي بين الدول العربية، يمكن الاستفادة من بعض دروس التجارب التاريخية، ومن أهمها:
1-التعاون العربي في حرب أكتوبر 1973 مثّل نموذجاً على قدرة التكامل القومي في مواجهة الاحتلال (الإسرائيلي) للأراضي العربية.
2-التنافر في العام 2003، تاريخ احتلال العراق، حيث سادت الحروب البينية العربية، أدَّى إلى احتلال العراق. ذلك الاحتلال الذي أصاب الدول العربية بأكثر من مقتل من أهمها، تسليم العراق للنظام الإيراني في العام 2011، الذي عاث في العراق فساداً وتفتيتاً طائفياً. وسرقة ثرواته التي وظَّف جزءًا كبيراً منها لتمويل عملائه في سورية ولبنان واليمن. أولئك العملاء الذين هدَّدوا الأمن الوطني لأكثر من قطر عربي، ونالت دول الخليج العربي جزءًا مهماً من أعمالها التخريبية. 
ومن جهة أخرى، وقع النظام الإيراني فريسة لأميركا في المرحلة الراهنة، ولم تجد صديقاً يتأسف عليها. ومما يجدر التذكير به، أنها لم تحافظ على أمن جوارها العربي بل شاركت أميركا نفسها باختراق الأمن العراقي قبل الاحتلال وبعده، وهدَّدت أمن جيرانها العرب، التي لو حافظت عليه وحمته لكانت وجدت من يمدُّ لها يد العون.
3-وإلى جانب هذا، أدَّت التدخلات العربية والإقليمية في شؤون ليبيا وسورية واليمن، إسناداً لمشروع الشرق الأوسط الجديد في العام 2011، أبرزت كيف يؤدي التنافر إلى إضعاف الأمن القومي العربي وإلى فتح الباب أمام الهيمنة الدولية. وكذلك إضعاف أمن الدول الإقليمية، التي تدفع الآن ما جنتها يداها.

رابعاً: انعكاسات على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية
الأمن الإقليمي المستقر يعزز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويمنح الدول العربية قدرة على صياغة سياسات مستقلة. أما الاضطراب الإقليمي، فينعكس مباشرة على الداخل العربي والإقليمي، عبر أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، ويضعف قدرة الدول على حماية مواطنيها ومصالحها.
خاتمة المقال
إن العلاقة بين الأمن القومي العربي والأمن الإقليمي ليست مجرد تداخل جغرافي أو سياسي، بل هي معادلة وجودية تحدد مصير المنطقة بأكملها. فالتكامل بينهما يشكّل شرطًا لازمًا لبناء منظومة ردع جماعية، تحفظ المصالح العربية وتمنحها القدرة على مواجهة التحديات الدولية. أما التنافر، فقد أثبت التاريخ أنه يفتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية، ويحوّل الدول العربية والإقليمية إلى ساحات صراع ونفوذ.
لقد أظهرت التجارب الحديثة أن عدوانية دول الجوار – تركيا، إيران، وإثيوبيا – لم تكن لتجد طريقها إلى التوسع لولا هشاشة البنية العربية وتفكك منظومتها الأمنية. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار لمفهوم الأمن القومي العربي، وربطه تكامليًا بالأمن الإقليمي، يشكّل المدخل الضروري لصياغة مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.
إن هذه الرؤية لا تقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وصون الهوية الوطنية والقومية. فالأمن القومي العربي، حين يتكامل مع محيطه الإقليمي، يصبح ضمانة لحماية السيادة، وردع العدوان، وفتح آفاق التعاون البنّاء، بما يجعل من الوطن العربي قوة فاعلة في محيطه الدولي، لا مجرد ساحة تتنازعها القوى الكبرى.
بهذا المعنى، يمكن القول إن التكامل بين الأمنين، القومي والإقليمي، ليس خيارًا ترفيًّا، بل هو ضرورة وجودية، تُبنى عليها قدرة الأمة على البقاء، ومكانتها في عالم يتغير بسرعة ويحتكم إلى منطق القوة والتحالفات.