البعث ... مشروع أمة لا ذاكرة حزب

بواسطة yahya


بقلم: الدكتور أحمد شوتري

الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي في الجزائر

تمر الأمم في تاريخها بمحطات تتراجع فيها القوى، وتتبدل فيها الموازين، وتشتد فيها التحديات، لكن الأمم الحية لا تُقاس بما تتعرض له من أزمات، بل بما تمتلكه من قدرة على النهوض من جديد. ومن هذا المنطلق، فإن حزب البعث العربي الاشتراكي لم يكن يومًا حزبًا وُلد لمرحلة عابرة، بل مشروعًا حضاريًا يربط بين الهوية والحرية والعدالة، ويؤمن بأن الأمة العربية، مهما تعاظمت الصعاب، قادرة على استعادة دورها التاريخي إذا امتلكت الإرادة والتنظيم والرؤية.
إن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن البعث يرتبط بأسماء أو مراحل سياسية بعينها. فالأحزاب التي تموت برحيل رجالها ليست أحزابًا رسالية، أما الأحزاب التي تؤسس مشروعها على فكرة راسخة فإنها تتجدد مع كل جيل، لأنها تستمد قوتها من الأمة لا من الأفراد. ومن هنا فإن البعث ليس ماضيًا نرثيه، بل مستقبلًا نصنعه.
لقد تغيرت أدوات الصراع. ولم تعد معركة الأمة محصورة في حدود الجغرافيا أو ميادين القتال، بل امتدت إلى الاقتصاد، والمعرفة، والتكنولوجيا، والإعلام، والأمن الغذائي، والسيادة الرقمية. ومن لا يدرك هذه الحقيقة يبقى أسير معارك الأمس بينما تُرسم خرائط الغد من حوله.
ولهذا فإن البعثي في القرن الحادي والعشرين ليس مجرد حافظ للنصوص، بل صانع للأفكار، ومنظم للمجتمع، ومؤمن بأن النهضة تبدأ بإصلاح الإنسان قبل إصلاح المؤسسات، وببناء العقل قبل بناء الجدران، وبترسيخ ثقافة المسؤولية قبل المطالبة بالحقوق.
إن الانتماء الحقيقي لا يقاس بكثرة الشعارات، وإنما بصدق الالتزام. فكم من إنسان تحدث عن الأمة ولم يقدم لها شيئًا، وكم من مناضل صامت صنع أثرًا بقي بعده. ولذلك فإن البعثي لا يسأل: ماذا قدم الحزب لي؟ بل يسأل نفسه كل يوم: ماذا قدمت أنا للحزب؟ وماذا قدمت لأمتي؟
إننا نرفض أن تتحول الخلافات التنظيمية إلى سبب لتمزيق المشروع القومي، لأن الاختلاف في الرأي لا يبرر الانقسام في المصير. فالأمة التي تواجه تحديات مصيرية تحتاج إلى توحيد الطاقات، وإلى تغليب الحكمة على الانفعال، والمؤسسات على الأفراد، والحوار على الخصومة.
إن مسؤوليتنا اليوم ليست الدفاع عن تاريخ البعث فحسب، بل إثبات أن الفكر القومي لا يزال قادرًا على تقديم حلول واقعية لقضايا التنمية والسيادة والعدالة الاجتماعية، وأن الأمة العربية ليست أمة أزمات، بل أمة إمكانات تنتظر من يحسن توظيفها.
ولذلك فإن دعوتنا ليست إلى استعادة الماضي كما كان، وإنما إلى استلهام قيمه لبناء مستقبل أكثر قوة وعدلًا ووحدة. فالأمة التي تحترم تاريخها لا تتوقف عنده، بل تنطلق منه نحو آفاق جديدة.
إن البعث الذي نؤمن به هو بعث الإنسان قبل السلطة، وبعث الفكر قبل التنظيم، وبعث الدولة القوية القائمة على القانون والكفاءة، وبعث الأمة الواعية التي تصنع قرارها بإرادتها الحرة.
وسيظل شعارنا ثابتًا: وحدةٌ تحمي الأمة، وحريةٌ تصون كرامة الإنسان، وعدالةٌ تبني مجتمعًا متماسكًا. فهذه ليست شعارات للاستهلاك السياسي، وإنما مبادئ لا قيمة لها إلا إذا تحولت إلى سلوك ومؤسسات وإنجازات.
إن المستقبل لا يصنعه المترددون، ولا يكتبه المنتظرون، وإنما يصنعه أولئك الذين يؤمنون بأن الرسالة أكبر من الأشخاص، وأن الوطن أكبر من المصالح، وأن الأمة تستحق أن يعمل أبناؤها لها بعقولهم قبل عواطفهم

الدرب.