طبتم وطاب يومكم وأصبحتم بما يسركم
________
لا أكاد أصدق ما تزبد به صفحات هذا الفضاء من شحن وتجييش وتهويل وتخوين وتخويف وتلويح بإشعال البلد والتفريط في وحدته…
ثم إني أستغرب أن تكون أقلام الفتنة وأصوات التوتير تضم بينها نوابا انتخبهم الشعب من مختلف مكوناته، وينشط فيها نقابيون شابوا يقدمهم العمال من مختلف المكونات في تسيير شؤونهم..
حين يصبح المكلف بحماية المجتمع ينخر وحدته، وحين يكون المسؤول عن الشؤون النقابية ينحدر نحو درك الطائفية فمن الذي سيقوم بأدأء الأمانة وسياسة المجتمع؟
لا يختلف عاقلان يحملان الهم العام أن احترام النظام سلوك المواطن الصالح، وأن العدل هو ضمان كينونة المجتمعات، وأن إقامة العدل تتم فقط عبر القضاء، وأن أحكام القضاء واجبة التنفيذ، وأن قواعد الديموقراطية أقرت استقلال السلطة القضائية عن التنفيذية، وذلك ما تضمنه الدستور نصا، وهو الذي يتعين أن يظل مطلبا للجميع ليتم تطبيق القانون على الجميع…
إن استسهال النيل من أحكام القضاء، وتطاول كل من هب ودب على القضاء والقضاة لا يصدر إلا عن المغفلين، ولا يخدم غير قطاع الطرق وناشدي الفوضى وهو فوق ذلك مجرم قانونا…
إن إيقاد الحملات المسعورة إثر كل حكم قضائي لا يروق لبعض السياسيين آية تخلف، ومؤشر على تحكم الأهواء والمصالح الذاتية في أصحابها…
إن مطالبة فخامة الرئيس وهو رئيس المجلس الأعلى للقضاء بالعفو عن كل محكوم عليه بحكم لا يرضاه النواب أو النائبات، أو لا يعجب النقباء والنقيبات هو مبالغة في الإحراج أولا، وفيه أيضا جهل بكثير من طبيعة الأحكام الصادرة التي يمكن أن يتناول العفو أصحابها، فللعفو مسطرة محددة، وهو بعد كل ذلك منذر بالرفض القاطع لتنفيذ القانون، ورسالة للعامة مفادها أن أحكام القضاء لا تعني شيئا بالنسبة لنا نحن الساسة فحين تخالف هوانا نحرك الساحة ونملأ الفضاء ضجيجا ونطالب فخامة الرئيس بالتدخل ونضغط عليه…
إن نزع هيبة القضاء من نفوس العامة وتراكم الطعن في أحكامه عبر تناولها تناولا لا يليق، لا يخدم مطلقا التنمية، ولا يقدم الدولة المدنية، وليس من سمات الديموقراطية، ثم إن الوحدة لا بد أن تحصن بتطبيق القانون حرفيا، فهو الرادع الوحيد لكل من تجاوزه، وليس من الحصيف غض الطرف عن هذا لأنه في حضن حركة راديكالية، ولا التعامي عن ذلك لأنه ابن خيمة كبيرة أو محمي من نافذين…
يتعين أن يطبق القانون على المفسدين المسيرين من الجهاز التنفيذي، وعلى المخالفين من ذوي النفوذ والجاه، وعلى السياسيين المسيئين، وعلى النواب المتجاوزين، والنائبات المخطئات إذ أن من يصدر القوانين والتشريعات أولى وأحق بالاستفادة منها والمحاسبة بها
… فأول راض سيرة من يسيرها.
إن ترك الأحكام القضائية تأخذ مسارها هو الموقف السليم الذي يتخذه مشرع تم انتخابه بالقانون ومن أجل القانون.. والأفضل منه أن يكون رقيبا حقيقيا على تنفيذ القانون وداعيا لذلك علنا وداعما سرا..
إن مؤازرة المتهمين حقا تكون بوضع اليد عليهم؛ توجيها وإرشادا أثناء إرهاصاتهم التي طال أمدها ليكفوا عن الإمعان في هتك الحرمات القانونية، وليس ثمة إشكال في الانحياز لهم، وهم في مسار التحقيق، أما بعد صدور الأحكام فالواجب هو الانصياع والوقوف مع تطبيق القانون..
“إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا…”
أليس من التناقض المضحك أن نظل نطالب الدولة في جميع المحافل باحترام استقلال القضاء، وأن تمتلئ صفحاتنا بشعار
“حصنوها بالعدل”
ثم نكون أول الرافضين للعدل وأول المعترضين على تنفيذ القانون..؟ ؟
شر البلية ما يضحك، وإن من البلية عذل من لا يرعوي عن غيه وخطاب من لا يفهم..
إذا كنتم تعتقدون أن علاقة الموريتانيين ببعضهم يمكن أن تعصف بها زوابع المصالح الموسمية، أو هواتف الأجندات الدولية، أو دردشات المجموعات فإنكم واهمون جدا؛ هذه أمة لمّتها قرون، وصهرتها ظروف قاسية، وأنضجت مواثيق علاقاتها سجلات من التعايش الحميم، وما تزال أيديها متشابكة، وما يزال بعضها يحمل كَل بعض: علاجا لمرضه، وحملا لثقله، وحراسة لمصالحه، وتوفيرا لعيشه…
الناس للناس من بدو ومن حضر
بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
تلك سنة الله الذي فضل بعضنا على بعض في الرزق وفي القوة البدنية والذهنية والفكرية، وذلك قدره أن يتخذ بعضنا بعضا سخريا فبقضائه راضون وبوحدتنا متمسكون وفي خدمة بعضنا سائرون…
المعلم يعلم أبناء الجميع، والطبيب يعالج أبناء الجميع، والناقل ينقل الجميع، والإمام يؤم الجميع، والفاكهاني يبيع للجميع، ومثلهم في تقديم الخدمات للكل الخياط والحلاق والحجام والإسكافي والمرآبي والمحامي والموثق والعدل المنفذ.. ومقدمة خدمة الحنة تخدم كل النساء، وبائعة العيش وكسكس ما منا الا وهو لها زبون…
ادعاء الظلم سهل، ووقوع الظلم وارد، ولكن الحكم بثبوته لا يقرره “لمقنيين” ولا الشعراء، ولا خطب السياسيين – المتغيرة- مرجعا في إثبات المظالم… بل مرد ذلك حصرا للقضاء الابتدائي وصولا للعالي.
رحم الله من عرف ما يتعين عليه وقام به، وغفر الله لمن تجاوز قدره، والعودة للحق خير من التمادي في الباطل.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. عرض أقل
احمداحمدسالم مايابى




