نحن وإيران.. الأخطاء والأوھام

بواسطة yahya

نحن وإيران.. الأخطاء والأوهام
--------------------------
د. السيد ولد أباه*
----------------
كان المفكر المصري الراحل حسن حنفي شديد الحماس للخميني بعد عودته لإيران، فأعاد نشر كتابيه «الحكومة الإسلامية» و«الجهاد الأكبر»، واعتبر أوانها أن الحدث الإيراني يؤسِّس لتيار فكري جديد أطلق عليه «اليسار الإسلامي»، وأصدر مجلة باسمه سرعان ما توقفت بعد العدد الثاني منها.
وقد حدّثني حنفي أنه زار الخميني في قم، بعد عودته واستلامه للسلطة، وكان يخاطبه بالعربية التي يتقنها، فيجيبه بالفارسية التي تترجم لحنفي، وعندما قال له إنه يريد أن يناقشه في أفكاره أجابه الخميني: لا مجال للنقاش، عليك أن تسأل وأنا أجيب.
وخلُص حنفي من زيارته المبكرة لإيران إلى وهْم الرهان على التغيير الذي حدث في طهران، وأدرك أن التوجه الطائفي القومي هو الغالب عليه. كان حنفي الذي عاش في باريس خلال ستينيات القرن الماضي، بعد أن خرج من عباءة «الإخوان»، متأثراً بالحركية الثورية الراديكالية الجامعة بين النفَس الماركسي والنزعة الإنسانية الأدبية الوجودية. وفي باريس، تعرّف على الفيلسوف الإيراني الشاب علي شريعتي الذي كان يرتاد الأوساط السارترية، وافتُتن باستخدامه الأيديولوجي للتراث الشيعي، وبالخصوص قيم التمرد والشهادة. ومع أن شريعتي توفي قبل سقوط الشاه، إلا أن الأدبيات الرسمية للدولة الجديدة استخدمته بعض الوقت، قبل أن تتخلى عنه إثر صراعها الحاد مع حركة «مجاهدي خلق»، الذين يعتبرون شريعتي مفكرَهم المرجعي.
لقد تخلّى الخطابُ الرسمي للنظام الجديد عن النزعة الفلسفية العرفانية التقليدية العميقة، التي كان من آخر ممثليها العالم المفسر الشيخ محمد حسين الطبطبائي، مؤلف كتاب «الميزان»، وقد توفي سنة 1981 ناقماً على الوضع الجديد، حسب شهادة تلميذه الفيلسوف داريوش شايغان.
كما أن هذا الخطاب تخلّى على الخط الأصولي الفقهي العريق في التقليد الشيعي، كما يمثّله أهم مراجع النجف المعاصرين، وهو أبو القاسم الخوئي الذي رفض بشدة فكرةَ ولاية الفقيه واعتبرها بدعةً خطيرةً وشاذةً تفتقر للدليل وللمشروعية.
وفضلاً عن القطيعة مع الاتجاهين، العرفاني الفلسفي والفقهي الأصولي، فقد كرّس التوجهُ الرسمي الجديدُ القطيعةَ مع الوجوه الليبرالية المعتدلة التي تولت في بداية التغيير مسؤولياتٍ عليا، مثل رئيس الوزراء الأسبق مهدي بازركان، الذي تحدّث عن هذه المرحلة في كتابه الهام «الثورة في حركتين»، والرئيس الأسبق أبو الحسن بني صدر، الذي سطّر شهادتَه عن تلك الحقبة في كتابه «إيران: الثورة المغدورة».
كان الفيلسوف الفرنسي هنري كوربان، الذي أحب إيران وكتب كثيراً عنها وأقام فيها فتراتٍ طويلةً، شديدَ التحسر على الانحراف الأيديولوجي للفكر الإيراني، معتبراً أنه نقل مبدأ «التدبير الروحي» من الأفق الكوني والنفسي إلى البُعد السياسي الضيق الذي يكرّس الاستبدادَ تحت حكم «الملالي».
وفي ثمانينيات القرن الماضي، تأثّرت بعضُ التيارات والشخصيات الثقافية والسياسية العربية بالتجربة الإيرانية، من بينها بعض زعامات الإسلام السياسي وبعض الوجوه اليسارية من يتامى الثورات الفاشلة، وبعضُ الأقلام القومية العربية، على غرار محمد حسنين هيكل.. فاعتبرت أن إيران دخلت خط المواجهة في دائرة الصراع مع إسرائيل.
وقد كنتُ حاضراً لأول حوار فكري عربي إيراني نُظّم عام 1995، وكان الحماس قد خَفَتَ أوانَها للنموذج الإيراني، بعد تجربة الحرب الطويلة مع العراق وتنامي الدور التخريبي للمليشيات الإيرانية في لبنان. وبهذه المناسبة، أذكر أن مثقفاً عراقياً بارزاً يقيم في مدينة قم الإيرانية لاجئاً معارضا لنظام صدام حسين، قال لي: «لا تصدّق أن الشيعة العرب موالون لنظام الحكم الإيراني، فهم أول مَن يدرك الطابع القومي العنصري لهذا النظام الذي يكرّس النظرةَ الدونية للعرب، ولا يتخذ الولاء المذهبي إلا شعاراً أيديولوجياً يستفيد منه سياسياً».
وفي ندوة الحوار العربي الإيراني تعرفتُ أيضاً على باحث إيراني شاب كان يرافق وفدَ بلاده الذي تشكَّل أساساً من أفراد المؤسسة الدينية الحاكمة، وعندما سألتُه عن سر انحيازه للنظام الإيراني، وهو الذي درس في الجامعات الأميركية الكبرى ولا يبدو عليه التشددُ الديني أو التعصب الأيديولوجي، قال لي إن منطقَ الدولة القومية الإيرانية كفيلٌ باستيعاب أيديولوجيا ولاية الفقيه كما استوعب من قبل العهد الإمبراطوري والنظام الشاهنشاهي.
ما أحوجنا في ظل التهديد الذي تشهده المنطقة، خاصة مع العدوان الإيراني الأخير على بلدان الخليج العربية، إلى أن نقرأ بعمق التجربةَ الإيرانيةَ الراهنة، التي يَنظر إليها البعضُ خطأً مِن زاوية التجديد الديني، وينظر إليها آخرون من نافذة الممانعة الوهمية والمقاومة الزائفة.

*أكاديمي موريتاني

«الاتحاد»/ الاثنين/20 إبريل/2026