السياسي الذي يستند إلى القبيلة.

بواسطة yahya

 

 لن يكون نموذجا يحتذى به في المجتمع، لان قيادة الانسان لا يمكن ان تقوم على الولاءات الضيقة والانساب وحدها. فالسياسة في جوهرها علاقة بين الحاكم والمحكوم، قائمة على المسؤولية والعدالة والمصلحة العامة، وليست مجرد علاقة بين فرد ومجموعته العائلية او القبلية. حين يتحول الانتماء القبلي الى اساس ممارسة السلطة، تصبح اولويات السياسي مرتبطة بحماية مصالح قبيلته اكثر من خدمة الصالح العام، فتتدهور مؤسسات الدولة وتضعف الروابط الاجتماعية التي تقوم عليها اي امة متقدمة.

ان الاعتماد على الانتماء القبلي ليس ظاهرة معزولة، بل هو انعكاس لفهم مغلوط للعلاقة بين القيادة والمجتمع. فالقيادة الحقيقية تحتاج الى قدرات معرفية، ورؤية استراتيجية، ووعي اجتماعي، وليس مجرد تأمين الولاءات الضيقة. القائد القبلي غالبا ما يرى ان الولاء لارقابه ورفاقه اولوية، حتى لو كانت القرارات على حساب المصلحة الوطنية. وفي هذه الحالة، يفقد المجتمع ثقته في قيادته، يشعر الكثير من المواطنين ان الحكومة او المؤسسة السياسية ليست عادلة، وان القرارات تتخذ وفق اعتبارات محلية او عائلية ضيقة، لا وفق القانون او المصلحة العامة.تاريخيا، تظهر امثلة عدة على مخاطر اعتماد القيادة على الولاءات القبلية. ففي المجتمعات التقليدية، كانت المناصب العليا في الدولة تمنح حسب الانتماء العائلي او القبلي، بغض النظر عن الكفاءة او المؤهلات. هذا ادى الى انتاج طبقة حاكمة محصورة، تعمل على تعزيز مصالح نفسها واقاربها، بينما تهمل باقي الفئات، ما يزيد من شعور الغبن والاستياء ويضعف روح المواطنة. وعلى سبيل المثال، خلال بعض فترات التاريخ العربي التقليدي، كانت الدولة تمنح المناصب لاشخاص بناء على انتمائهم الى عشيرة الحاكم، ما ادى الى صراعات مستمرة بين القبائل المختلفة، وىضعف القدرة على توحيد المجتمع تحت مظلة الدولة.

وفي العصر الحديث، يمكن رؤية آثار هذا النهج في بعض الدول العربية والافريقية. ففي بعض دولة الافريقية و العربية، على سبيل المثال، اظهرت الدراسات السياسية والاجتماعية ان توزيع المناصب على اساس الولاءات القبلية ادى الى صراعات مسلحة متكررة بين القبائل، واضعف المؤسسات الوطنية، حتى حين تم اعتماد هياكل الدولة الحديثة. اما في العراق بعد عام 2003، فقد كان توزيع المناصب وفق الولاءات الطائفية والقبلية سببا مباشرا في تفشي الفساد وتجزيء السلطة، ما اضعف القدرة على بناء دولة قوية ومستقرة. هذه الامثلة توضح ان اعتماد الولاءات القبلية ليس مجرد مشكلة اخلاقية، بل له انعكاسات عملية على الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.السياسي الذي يعتمد على الولاءات القبلية غالبا ما يتجنب مواجهة المشكلات الوطنية المعقدة، مثل الفساد او الفقر او توزيع الموارد، لانه يخشى فقدان الدعم القبلي الذي يضمن بقاءه في السلطة. وهكذا تتراكم القضايا دون معالجة، وتضعف المؤسسات العامة، بينما يستمر الولاء القبلي في التحكم بمسار الدولة. وتظهر الدراسات الحديثة في علم الاجتماع السياسي ان المجتمعات التي تسيطر فيها الولاءات العائلية او القبلية على السياسة غالبا ما تواجه تحديات اكبر في تحقيق التنمية المستدامة، لان القرارات الاقتصادية والاجتماعية لا تتخذ وفق المعايير الكفؤة، بل وفق العلاقات الشخصية والانتماءات الضيقة.

ان المجتمع الذي يريد التقدم يحتاج الى قادة قادرين على تجاوز الانتماءات الضيقة، والتفكير في الوطن كوحدة متكاملة. القائد الذي يحتذى به هو من يوحد الناس حول رؤية مشتركة، ويحول الخلافات القبلية الى قوة للفهم والتعايش، لا الى اداة للتفريق والسيطرة. القيادة الحقيقية هي التي تجعل من المواطن محور اهتمامها، لا الانتماءات الشخصية، وتعمل على بناء مجتمع يعتمد على قيم العدالة والمساواة والمواطنة. السياسي الذي يستند الى القبيلة يضعف من قدرة المجتمع على التقدم العلمي والثقافي والاقتصادي. فحين يتم توزيع المناصب والفرص وفق الولاءات الضيقة، تهمل الكفاءات الحقيقية، ويقل الحافز للابداع والابتكار. في المقابل، السياسة القائمة على الكفاءة والعدالة تشجع على النمو والازدهار، لانها تعطي الفرصة للاكثر قدرة وكفاءة، وليس للاكثر ولاء فقط. وهذا الفرق ينعكس على جودة الخدمات، والاقتصاد، والتعليم، وعلى مستوى المعيشة للمواطنين.

الامثلة التاريخية تؤكد هذه الحقيقة. في الفترة ما قبل الاستعمار الحديث في بعض مناطق شمال افريقيا، كانت القبائل الكبيرة تتحكم بالموارد والمناصب على حساب المجتمعات الصغيرة، ما ادى الى ضعف التنمية الاقتصادية وتكرار النزاعات. اما في الدول التي حاولت تجاوز الولاءات الضيقة واعتماد الكفاءة كمقياس للسلطة، مثل بعض الدول الاوروبية بعد القرن التاسع عشر، فقد شهدت تقدما ملحوظا في مؤسساتها واستقرارا سياسيا نسبيا، الامر الذي يظهر العلاقة المباشرة بين توسيع مفهوم المواطنة وتقوية الدولة. وبالعودة الى الواقع المعاصر، نجد ان القادة الذين يعتمدون على الانتماءات الضيقة غالبا ما يتخذون القرارات بطريقة قصيرة النظر، موجهة لمكاسب فورية او لضمان ولاءات محددة، دون النظر الى النتائج طويلة الامد. وهذا يؤدي الى تكرار المشكلات الهيكلية، مثل الفساد، والهدر المالي، وضعف الخدمات العامة. اما السياسي الذي يتجاوز الولاءات القبلية ويؤمن بالمواطنة والقيم العامة، فإنه قادر على بناء مؤسسات قوية ومستقرة، تضع المصلحة الوطنية فوق اي اعتبار اخر.القائد الحقيقي هو الذي يعرف كيف يحافظ على توازن بين الولاءات الشخصية والمسؤولية العامة، بين الانتماء الاجتماعي والواجب الوطني، وبين مصالح فئة معينة وصالح المجتمع باكمله. هذا النوع من القادة قادر على توحيد المجتمع، وخلق بيئة من الثقة والاحترام المتبادل، وتشجيع المواطنين على المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية. وبدون هذا التوازن، تتحول الدولة الى مجموعة من المصالح المتنافرة، ويصبح الاستقرار السياسي مجرد حلم بعيد.

في اعتقادي الخاص السياسي الذي يرتكز على الولاءات القبلية يمثل نموذجا معكوسا للقيادة الحضارية. فهو يخلق بيئة من المحسوبية، ويضعف الثقة، ويؤخر التنمية، ويعطل بناء الدولة الحديثة. اما السياسي الذي يتجاوز الانتماءات الضيقة، ويؤمن بالمواطنة والقيم العامة، فهو النموذج الذي يجب ان يحتذى به، لانه قادر على توحيد المجتمع، وتحقيق اهدافه الكبرى، وبناء مستقبل اكثر عدلا وازدهارا. المجتمع لا يحتاج الى قادة ينظرون الى القبيلة اولا، بل الى قادة ينظرون الى الوطن باكمله، ويرفعون المصلحة العامة فوق اي اعتبار اخر.

#زكريا_نمر