الأمة في مهب صراع الأعداء
ظل الوطن العربي بحكم موقعه الجغرافي الاستراتيجي وثرواته الطبيعية الهائلة ومكانته الحضارية، ساحة رئيسة للتنافس والصراع الدولي. فبحكم توسطه للعالم القديم، وتحكمه في أهم طرق التجارة والطاقة، كان على مر التاريخ محل أطماع القوى الإقليمية والدولية...
وقد ازدادت حدة التكالب عليه في العقود الأخيرة، في غياب الفعل العربي الموحد، وتزايد التدخلات الخارجية، الأمر الذي جعل المنطقة تبدو في كثير من الأحيان ساحة مفتوحة لصراع دوائر النفوذ المختلفة.
ويمكن النظر إلى الحرب الدائرة حاليا باعتبارها نتاج تفاعل ثلاث دوائر رئيسية: الدائرة الإيرانية، والدائرة الصهيونية، والدائرة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وهي دوائر تتقاطع مصالحها أحيانا، وتتصادم أحيانا أخرى، لكنها تلتقي في كون الوطن العربي مسرحا أساسيا لتحقيق أطماعها ومآربها...
تعود الأطماع الإيرانية في الوطن العربي إلى جذور تاريخية ضاربة في القدم، وخلال العهد الصفوي، سعت الدولة الصفوية إلى بناء نفوذ سياسي وديني يمتد في المشرق العربي، وكان العراق بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته الاجتماعية، أبرز ميدان لتلك الاطماع.
وفي العصر الحديث تجددت هذه النزعة التوسعية في ظل وصول الملالي إلى السلطة في إيران، ورفعهم شعار (تصدير الثورة)، لكنهم في الواقع سعوا إلى توسيع مجال نفوذهم على حساب العرب، فشنوا عدوانهم على العراق في 04/09/1980، لتشكل الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988) إحدى أطول الحروب في القرن العشرين وأكثرها استنزافا للموارد البشرية والاقتصادية في المنطقة، وكشفت عن عمق الصراع الجيوسياسي بين إيران ومحيطها العربي.
وإثر غزو العراق واحتلاله عام 2003، وجدت إيران فرصة استراتيجية لتعزيز نفوذها داخل العراق عبر أدوات طائفية وعسكرية متعددة، ولم يقتصر التمدد الإيراني على العراق فحسب، بل امتد إلى دول عربية أخرى عبر دعم حركات وتنظيمات مسلحة أو حلفاء طائفيين. ففي لبنان كان نفوذ حزب الله بوصفه أحد أبرز أدوات التمدد الإيراني في الوطن العربي. وفي سوريا لعبت طهران دورا محوريا في دعم نظام بشار الأسد خلال سنوات الحرب، ما عزز حضورها العسكري والطائفي في المنطقة. كما امتد هذا التدخل الإيراني الصفوي إلى اليمن عبر دعم الحوثيين، الأمر الذي أدى إلى تعقيد الصراع الداخلي وتحويله إلى ساحة تنافس إقليمي، تسعى إيران من خلاله إلى إضعاف الأقطار العربية وصولا إلى تحقيق مشروعها التوسعي...
كما يمثل الكيان الصهيوني منذ قيامه على أرض فلسطين عام 1948م الدائرة الأخطر للأطماع في الوطن العربي.
ويقوم المشروع الصهيوني على فكرة بناء (دولة) ذات تفوق عسكري واقتصادي في قلب الوطن العربي، سعيا إلى تحقيق حلمها التوسعي المعروف (إسرائيل الكبرى؛ من الفرات إلى النيل)...
أما الدائرة الثالثة فهي الدائرة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التي تنظر إلى الوطن العربي باعتباره منطقة محورية في استراتيجيتها العالمية، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية سعت واشنطن إلى ترسيخ نفوذها في المنطقة لضمان تدفق الطاقة، وحماية طرق التجارة العالمية.
وقد تعزز هذا الدور مع نهاية الحرب الباردة وتراجع نفوذ الاتحاد السوفيتي السابق، حيث أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية القوة المهيمنة على (النظام الدولي). وفي هذا السياق جاء العدوان على العراق واحتلاله عام 2003م، وإسقاط نظامه الوطني القومي التقدمي، مقدمة لسعي واشنطن إلى بسط هيمنتها الإقليمية والدولية.
غير أن النفوذ الأمريكي لم يعد يقتصر على الوطن العربي، بل أصبح جزءً من صراع أوسع مع قوى دولية صاعدة مثل الصين وروسيا، ما يجعل المنطقة العربية إحدى ساحات التنافس الجيوسياسي العالمي.
إن تفاعل هذه الدوائر الثلاث يفسر جانبا كبيرا من حالة الاضطراب التي تعيشها المنطقة العربية. فحين يغيب المشروع العربي الوحدوي الجامع، تصبح الأقطار العربية عرضة للتجاذبات الخارجية، ويتحول المجال العربي إلى ساحة مفتوحة لصراعات القوى المختلفة.
إن قراءة المشهد الجيوسياسي في المنطقة العربية، والحرب الدائرة اليوم، تكشف أن الصراع الدائر فيها ليس مجرد نزاعات محلية أو إقليمية معزولة، بل هو جزء من صراع أوسع على النفوذ والثروات والمواقع الاستراتيجية، بين الدائرة الإيرانية الصفوية التوسعية، والدائرة الصهيونية المجرمة، المدعومة من الولايات المتحدة التي تسعى إلى الحفاظ على هيمنتها العالمية.
غير أن مستقبل المنطقة لا ينبغي أن يظل رهينا لهذه الدوائر المتصارعة، حيث تبرز الحاجة إلى مشروع عربي وحدوي يقوم على أسس التعاون السياسي والتكامل الاقتصادي والأمن المشترك. فالوطن العربي يمتلك مقومات هائلة؛ موقع جغرافي يربط القارات، وثروات طاقوية ومعدنية ضخمة، وموارد بشرية شابة، فضلا عن إرث حضاري وثقافي عميق. غير أن تحويل هذه المقومات إلى قوة فعلية يتطلب إرادة سياسية جماعية ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
إن المشروع العربي المنشود ليس مجرد فكرة عاطفية أو شعار سياسي، بل هو ضرورة تاريخية لحماية الأمن القومي العربي وصون الثروات الوطنية واستعادة الدور الحضاري للأمة العربية، وهو الطريق الوحيد لتحويل الوطن العربي من ساحة للصراع إلى فضاء للنهضة والاستقرار واستعادة الدور الحضاري للأمة العربية.
احمدمحمود افاھ




