إيران في مواجھةالصھائنة : نناصرھا ولا نغتربھا

بواسطة yahya

إيران في مواجهة الصهائنة : نناصرها ولا نغتر بها

تعارُض المشروع القومي العربي مع  مشروع الدولة الإسلامية الجعفرية في إيران أمر  جلي تخبر عنه المنطلقات الفكرية والفلسفية والسياسية  للمشروعين وتخبر عنه أيضا المقاصد السياسية لكليهما فأحدهما يترسخ بالتمدد داخل فضاء الآخر والآخر يسعى لجمع شمل قومه في كيان واحد مستقل......القومية والمذهبية لا يجتمعان... 
التعارض نفسه قائم بين المشروع القومي العربي و"الشاهنشاهية" ولكن هذا التعارض يغلب عليه الطابع السياسي الصرف فهو صراع نفوذ وهيمنة لا تداخل فيه..... 
النظام الملكي نظام قومي فارسي يهدف أن يعود بفارس لما قبل "ذي قار" و "القادسية" فيستعيد لها أمجاد الاخمينيين والساسانيين والقاجار ، تَهُمُّه الهيمنة ولا يَهُمُّه التمدد لأنه لا يقدر عليه.....
لا يملك النظام الملكي  أذرعا داخل المجتمع العربي  تتستر على نزعته في الهيمنة وتساعده على إضعاف جواره ، فلا هو يحمل مشروعا مذهبيا ولا دول الجوار فيها  أقليات فارسية ، فاستعاض عن هذا  العجز  بأن ارتمى في أحضان أمريكا مقابل أن يكون لها دركيا في المنطقة.....فكان.
سعى، من خلال التعاون الفرنسي ، للحصول على السلاح النووي فلا أمن من دونه ولا ردع ،  توقف المشروع لكن الرغبة لم تتوقف بل يكاد الايرانيون يجمعون أن لا مستقبل لإيران قوية من دون هذا السلاح وقد يكون هذا المبدأ من العناوين المشتركة بين الملكية المنقلب عليها وبين الثورة ، فانخرط النظام الجعفري الجديد في نفس  المسعى وبنى قاعدة علمية وصناعية قوية وقطع أشواطا كبيرة في سبيل تأمين دولته وبسط نفوذها في المنطقة...... 
النظام  الملكي و النظام الجعفري يجمع بينهما نفَس فارسي واحد ولهما هدف واحد أن تهيمن إيران على المنطقة والخلاف الوحيد بينهما أن الأول يريد لأسرة ملكية أن تواصل قطْرَ هذا المشروع و الثاني يريد أن تكون القاطرة مذهبية دينية حبلها المتين قوم سلمان ، تتمدد حيث يوجد شيعي بالمعتقد غايتها ووسيلتها أو شيعي بالهوى تصل إليه دعوتها فيتشيع...
لكن إيران "بهلوية" كانت  أم "جعفرية" ليست وحدها من يعادي المشروع القومي العربي بل عرب هذا الزمان بعضهم لبعض عدو وجميعهم أعداء ألداء لهذا المشروع  سواء في طبعته الناصرية أو في طبعته البعثية.....
كان صدام حسين رحمه الله أول قائد عربي انتبه أن الرادع النووي والكيميائي حاجة وجودية لا غنى للأمة العربية عنها وكان أول من انتبه أن هذا الرادع لا بد له من ذراع طويلة توصله لمكامن التهديد فأنشأ صناعة صاروخية كانت حينها فريدة في المنطقة ...... فدفع ثمن طموحه "غير المشروع" فانطفأت الجذوة بأيدي عربية عن وعي وسبق اصرار وترصد  !!!! تآمروا قبله على عبد الناصر رحمة الله عليه وتآمروا بعده على القذافي رحمه الله وتآمروا على بشار ؛ فما الذي تبقى من المشروع القومي العربي لنبكي عليه  بعد خسارة مصر  والعراق وليبيا وسوريا !!!!! 
مخطئ من يظن أن نجدة هذا المشروع الكبير ستأتيه من غير أهله ومخطئ أيما خطإ من يظن أن  تحرير بيت المقدس على يد قوم سلمان  سيكون إعلان  ميلاد دولة الوحدة العربية ومخطئ كثيرا من يغتر بالشعار لذات الشعار دون فهم أسبابه وتمحيص مقاصده......الثورة الإيرانية تملك ما لا يملك الشاه من قدرة التأثير في المنطقة وتقدر أن تحصل على مبتغاها من دون أمريكا فهي تستند لعقيدة جعفرية تقول إن  عودة الإمام الغائب ، المهدي المنتظر الذي يؤمن به كثير من أهل السنة أيضا، مشروطة بتحرير  بيت المقدس على يد الفرس....... عموم  الشيعة  يستعجلون هذا اليوم  !!!! 
فما الذي سيكون في اليوم الموالي ؟ يقولون إن  المهدي المنتظر سيعود "ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وتنتهي المظلومية ثم ينزل عيسى ويلتقي الرجلان ثم يموت عيسى موتة طبيعية ويدفن ثم تبدأ أمارات الساعة....."  
لكن مشروع التحرير هذا يحتاج تواصلا جغرافيا بين الفرس وفلسطين فكان مبرر  تصدير الثورة للجوار أولا ثم تحديد المسار فوقع الاختيار على العراق وكربلاء...
حين وطئ الخميني مطار طهران  قال " سنصدر ثورتنا إلى جميع أنحاء العالم لأن ثورتنا إسلامية" ثم أتبعها أن "يجب أن يعمل المسلمون على إسقاط الحكومات الجائرة في بلادهم" 
وفي 15 اكتوبر عام 81 قال "لقد اقتربنا من الصفر في دعايتنا في الخارج ....يجب أن نقوم بزيارات غير رسمية إلى جانب الزيارات الأخرى الرسمية ...إذا أردنا تصدير هذه الثورة يجب أن نفعل شيئا حقيقيا حتى يتمكن الناس من السيطرة على الحكومة بأيديهم إلى أن يصل أفراد الطبقة الثالثة المزعومة إلى السلطة..." فما هي الثورة التي  يراد تصديرها ؟ 
المرجعية العقدية لشعار تصدير الثورة هي "ولاية الفقيه" وهي ولاية سياسية ودينية عابرة للحدود تعني الشيعة في كل مكان بالتصريح ويكنى عنها في  الخطاب السياسي بالمستضعفين (المظلومية الشيعية).  
نص الدستور الإيراني في  المادة (12)  أن " الدين الرسمي هو الإسلام وفق المذهب الجعفري الاثنى عشري" ونص أيضا أن "هذه المادة غير قابلة للتغيير ...." فحازت صفة القداسة  لأنها عقيدة فهي شحنة الثورة ووقودها وهي أيضا عنوان تصديرها تحت شعار نصرة  المستضعفين (المواد 152 و 154.....)  
اختاروا أن يبدأوا باسقاط العراق لأسباب منها وجود كثافة شيعية كبيرة فيه  ومنها أن للخميني هناك أتباع كثر  فقد استقر في مراقد الأئمة ثلاثة عشر عاما ومنها أيضا أن للعراق حدودا برية طويلة مع غرب إيران واختاروا  كربلاء لتكون نقطة العبور لأنها  مقدسة ومزار عظيم ومحجة للشيعة عموما .
تحرير بيت المقدس شعار جامع ،  القوميون العرب لا يتصورون إمكانية قيام الوحدة العربية ما دام هناك وجود لاسرائيل والجعفريون يؤمنون أنهم من سيحرر بيت المقدس وأن ذلك هو شرط عودة الإمام الغائب وفي اليوم الموالي للتحرير سيمضي كل طرف في طريقه.
في هذه الحرب العدوانية  تسعى اسرائيل لبسط نفوذها على أرضها التوراتية بين النيل والفرات وتسعى إيران في دفاعها عن نفسها أن تجعل منها فرصة لعودة المهدي ....فأيهما أخطر علينا أن ينتهي حلم اسرائيل في بناء مملكة يهودية بين النيل والفرات أم ينتهي الحلم الجعفري في عودة المهدي ؟ 
إذا كنا نرى أن المشروع الصهيوني لا يمكن معه مشروع عربي فعلينا أن نمد اليد لكل من يمدها لنا لا يهمنا بعد ذلك ما الذي دفعه أن يسعى لزوال إسرائيل بل المهم أن هذا العنوان يجمعنا...
إسرائيل طارئة وزوالها ممكن لأنها حديثة النشأة ولا مغارس لها في الأرض أما الفرس فأمة غارسة في الزمن وراسخة في الجغرافيا وتنافس في العمر حضارات الأمم الأولى ويجمعنا معهم دين واحد وقبلة واحدة وكتاب.
صحيح أن بيننا مرارات عميقة لكن العداوات لا تدوم ولو كانت المرارات تحدد متغيرات السياسة ما كان لعربي أن ينسي ما فعله العرب بالعراق وما فعلته قواعد أمريكا في هذه البلدان ببلد عزيز مكين وبمشروع قومي كبير وما كان لعربي أن ينسى ما فعله العرب بليبيا شتتوها وسوريا قطعوا أوصالها فابتلعها الأتراك والأمريكان واليمن يقتلون فيه بالليل والنهار  والسودان مزقوه وما فعلوه بمصر يوم كانت مصر تتنفس العروبة....

انتصار إيران سيخلق لنا تحديات كبيرة وكثيرة وانتصار اسرائيل سيكون بمثابة إعلان وفاة ليس للعرب  فحسب وإنما أيضا للمسلمين. 
أسأل الله جلت قدرته أن يهزم أمريكا والصهائنة وأن تكون هذه الحرب بداية صحوة عربية ووعي عربي جديد أن الأمم لا تكيل أمنها لأحد وأن تتجه الدول العربية وخاصة السعودية ومصر والجزائر نحو التقنية النووية وتحصل على السلاح الذري فلا مستقبل لأحد لا يقدر أن يدفع عن نفسه سوءًا..

الدكتور محمد ولم الراظي